سياسة

120 كيلومتراً مشياً على الأقدام.. مسيرة أيت بوكماز تعري فشل حكومة أخنوش وتستحضر نداءات جلالة الملك للنهوض بالعالم القروي

في مغرب يُرفع فيه شعار الدولة الاجتماعية ويُعَدّ لتنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، لا تزال مناطق شاسعة من البلاد تعيش على هامش التنمية، محرومة من أبسط حقوقها الأساسية، وعلى رأسها البنيات التحتية، وشبكات الاتصال، والماء الشروب، والتعليم والصحة. آخر تجليات هذا المغرب العميق، تجسّد في المسيرة السلمية الحاشدة التي نظمها سكان جماعة أيت بوكماز، التابعة لإقليم أزيلال، والتي قطع المشاركون فيها أزيد من 120 كيلومتراً مشياً على الأقدام نحو مقر العمالة، في مشهد يعيدنا إلى لحظات النضال الاجتماعي البدائي، لكن بصيغة مغرب القرن الواحد والعشرين.

هذه المسيرة ليست مجرد احتجاج عابر، بل صرخة مجتمعية مدوية، تحمل في طياتها أسئلة وجودية عن العدالة المجالية، والنجاعة الحكومية، ومدى وفاء الدولة بالتزاماتها إزاء العالم القروي، خصوصاً في ظل الحديث المتكرر عن تنزيل نموذج تنموي جديد، وعن رهان الدولة الاجتماعية التي أعلنها الملك محمد السادس كأفق استراتيجي منذ سنوات.

منذ خطاب العرش لسنة 2018، شدد جلالة الملك محمد السادس على ضرورة العناية بالعالم القروي ومحاربة مظاهر الهشاشة والحرمان، واعتبر أن النهوض بهذه المناطق يجب أن يكون في صلب السياسات العمومية. ومنذ إطلاق برامج كبرى مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبرنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، دأب الخطاب الملكي على التأكيد بأن كرامة المواطن تبدأ من ضمان العيش الكريم في قريته ومحيطه، لا من تكديس المشاريع في محور الرباط-الدار البيضاء فقط.

لكن ما جرى في أيت بوكماز يفضح الهوة، ويضع علامات استفهام كبيرة حول مدى قدرة الحكومة الحالية، برئاسة عزيز أخنوش، على ترجمة التوجيهات الملكية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

كيف يُعقل، والحال أننا في منتصف عقد الدولة الرقمية، أن قرى بأكملها لا تزال محرومة من التغطية الهاتفية والانترنت؟ كيف يمكن لمواطن أن يتحدث عن رقمنة الإدارة والخدمات، وهو لا يستطيع حتى إجراء مكالمة هاتفية بسيطة؟ الأدهى من ذلك، أن المعنيين يضطرون للسفر نحو أزيلال فقط للاطلاع على وضعيتهم في برامج الدعم أو الحصول على وثائق بسيطة، ما يُفقدهم جزءاً كبيراً من الدعم المالي الذي يُفترض أن يُحسن معيشتهم، لا أن يُستنزف في التنقل.

إن مشكل غياب “الريزو” في قرى أيت بوكماز ليس تفصيلاً تقنياً، بل اختزال دراماتيكي لغياب الشعارات الحكومية عن حياة آلاف المواطنين. فالخدمات الإدارية والمالية والطبية، وحتى التربوية، أصبحت تعتمد كلياً على الأنظمة الرقمية، ومع ذلك لا أحد من المسؤولين طرح السؤال البسيط: كيف سيستفيد أبناء القرى من هذه الرقمنة وهم أصلاً خارج تغطية الشبكة؟ أليس هذا قمة العبث الإداري والخلل التنموي؟

المثير أكثر، أن المليارات تُضخ سنوياً في برامج الدعم الاجتماعي، وتُعقد اللقاءات الوزارية والمجالس الحكومية لمناقشة أوراش التغطية الصحية والتضامن، في وقت ما زال الشيخ المريض في أيت بوكماز يقطع الكيلومترات بقدميه من أجل إسماع صوته للمسؤولين، رفقة أبناء قريته الذين لا يريدون سوى مدرسة، وطريقاً سالكة، وشبكة هاتف، ومركزاً صحياً يليق بكرامتهم.

ما وقع في أيت بوكماز ليس استثناءً. قرى كثيرة تعاني من غياب الماء الصالح للشرب، تدهور البنيات التحتية، ضعف التعليم، وانعدام فرص الشغل. في سوس والريف والأطلس والجنوب الشرقي، تتكرر المأساة نفسها. كلها مناطق لا تدخل في الحسبان إلا خلال الحملات الانتخابية أو في تقارير المناسبات، بينما الواقع يظل كما هو، إن لم نقل يتدهور.

وفي مقابل هذا الواقع المؤلم، تواصل الحكومة التسويق لما تسميه “إنجازات”، عبر خرجات إعلامية مستمرة، وتصريحات تطمينية، وأوراش كبرى على الورق، بينما في العمق، تعاني مئات الجماعات القروية من التهميش والإقصاء، في تناقض صارخ مع روح النموذج التنموي الجديد الذي جعل من تقليص الفوارق هدفاً استراتيجياً.

لقد آن الأوان لتفعيل مقتضى دستوري لطالما شدد عليه الملك محمد السادس، وهو ربط المسؤولية بالمحاسبة. لا يمكن أن تمر هذه الاحتجاجات الشعبية، وهذه المسيرة الاستثنائية، دون مساءلة مباشرة للمسؤولين الترابيين والوزاريين المعنيين. من عرقل المشاريع؟ أين ذهبت الميزانيات؟ من أخلّ بواجب المتابعة والتنزيل؟ أسئلة تحتاج إلى إجابات فورية، لا إلى تقارير شكلية.

مسيرة أيت بوكماز ليست فقط احتجاجاً على غياب “الريزو”، بل هي احتجاج على غياب الحكومة ذاتها عن مناطق واسعة من الوطن. هي دعوة لإعادة النظر في أولويات السياسات العمومية، ومناسبة لتذكير الحكومة أن الوطن ليس فقط في الرباط والدار البيضاء ومراكش، بل يمتد إلى أبعد القرى، حيث يعيش مغاربة يملكون الحق الكامل في العيش الكريم، لا أقل ولا أكثر.

إنه لمن المفارقات القاسية أن تنشغل حكومة أخنوش بأرقام النمو والتوازنات الماكرو اقتصادية، بينما يفقد المواطن في أيت بوكماز حقه في الاتصال والحياة. وبين مغرب “التحول الرقمي” ومغرب “التنقل من أجل المعلومة”، هناك فجوة يجب أن تُردم… لا بخطابات خشبية، بل بقرارات شجاعة ومحاسبة حقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى