ملف صفقات الأدوية يواصل الجدل داخل داخل البرلمان… مواجهة مفتوحة بين المعارضة والأغلبية

تحوّل النقاش حول صفقات الأدوية، خلال الأيام الأخيرة، إلى إحدى أكثر القضايا سخونة داخل البرلمان، بعدما خرجت المعارضة لكشف ما وصفته بـ“خلل خطير” في تدبير المشتريات الدوائية، بينما ردّت الأغلبية بتشكيك واضح في دوافع هذه الاتهامات واعتبرت الملف “منفوخاً بلا سند”.
شرارة الاتهامات تنقل النقاش من ميزانية 2026 إلى قلب قطاع حساس
التوتر بدأ عندما أثار نائب برلماني، خلال مناقشة مشروع قانون المالية، وجود اختلالات محتملة في مسار تدبير طلبات العروض الخاصة بشراء الأدوية. ورغم أن التدخل جاء في سياق مالي محض، إلا أنه سرعان ما تحوّل إلى مدخل لفتح ملف يوصف منذ سنوات بأنه واحد من أكثر القطاعات تعقيداً وتشابكاً.
الملف الذي كان يُدار بعيداً عن الأضواء خرج فجأة إلى الواجهة، وانتقل النقاش من الأرقام إلى مساءلة طريقة تدبير الدواء العمومي في المغرب، في قطاع تتقاطع داخله الصحة العامة بالمصالح الاقتصادية واعتبارات الأمن الدوائي.
المعارضة: “لا إصلاح بلا كشف الحقائق… واللجنة البرلمانية ضرورة”
المعارضة رأت في هذا النقاش فرصة لا تتكرر لتعريه ما تعتبره “تراكمات سنوات طويلة من سوء التدبير”. لذلك طالبت بإحداث لجنة برلمانية لتقصي الحقائق، معتبرة أن الأمر يتجاوز الحديث عن صفقة أو شركتين، ويتعلق بمنظومة كاملة تحتاج إلى مساءلة حقيقية.
وبالنسبة لها، فإن التحقيق البرلماني هو الآلية الوحيدة التي تتيح الوصول إلى الوثائق، ومسارات اتخاذ القرار، ودوافع الترجيح التقني بين الشركات، وفهم طريقة تدبير سوق دوائي يمتاز بشدة التعقيد وتشابك المصالح.
وترى المعارضة أن رفض تشكيل اللجنة يعني ببساطة “إغلاق النوافذ” أمام أكبر عملية فحص مؤسساتي لهذا القطاع منذ سنوات، وأن أي إصلاح لا ينطلق من كشف الاختلالات القائمة هو مجرد ترميم لسطح المشكلة.
الأغلبية: “الاتهامات بلا أدلة… والملف يُستعمل انتخابياً”
الأغلبية الحكومية واجهت طرح المعارضة بموقف متناسق:
الاتهامات غير مدعومة بمعطيات دقيقة، والمرحلة الحالية لا تحتمل تسييس ملف حساس، خاصة بعد دخول النيابة العامة على الخط.
وقدّم نواب الأغلبية معطيات تقنية قالوا إنها تلغي فرضية وجود تلاعبات، موضحين أنهم تابعوا أكثر من خمسين طلب عروض صادرة منذ 2023، وأن شركة واحدة فقط كانت تستجيب للشروط التقنية، في حين لم تحصل أي شركة ثالثة على أي صفقة.
وبالتالي، فإن حديث المعارضة عن “شبكات” أو “تواطؤ” ـ حسب رأي الأغلبية ـ لا يستند إلى وقائع ملموسة.
كما دافعت الأغلبية عن خيار التركيز على إصلاح المنظومة الدوائية، خصوصاً بعد إنشاء الوكالة المغربية للأدوية، مؤكدة أن المطلوب هو تعزيز القدرات الرقابية والمؤسساتية لا فتح مواجهات سياسية “تعيد القطاع إلى الوراء”.
بين رؤيتين: محاسبة الماضي أم بناء المستقبل؟
الخلاف بين الطرفين يتجاوز صفقات الأدوية، فهو يطرح سؤالاً أعمق:
هل يبدأ الإصلاح من تفكيك أخطاء الماضي؟ أم من إعادة بناء مؤسسات جديدة؟
المعارضة ترفض أي إصلاح دون كشف كل الحقائق أمام الرأي العام.
الأغلبية ترى أن الزمن السياسي الحالي لا يسمح بإغراق القطاع في صراعات طويلة، وأن القضاء يقوم بدوره.
اقتراب انتخابات 2026 يزيد حرارة المشهد
السياق السياسي العام يلعب دوراً أيضاً؛ فالمغرب يدخل مرحلة حساسة قبل انتخابات 2026، وتعمل كل جهة على ترسيخ صورتها أمام الناخبين.
المعارضة ترفع خطاب الشفافية.
الأغلبية تتشبث بخيار الاستقرار المؤسسي.
المعركة لم تعد حول شركة ربحت أو أخرى خسرت، بل حول من يملك حق فتح هذا الملف، وكيف تُدار السياسة الصحية في المغرب، وأي دور يجب أن يلعبه البرلمان في مراقبة قطاع مرتبط مباشرة بحياة المواطنين.
الملف لم يُغلق بعد، والمرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت المؤسسة التشريعية ستذهب نحو تحقيق برلماني واسع، أم ستبقى المقاربة التقنية والإصلاحات المؤسساتية هي السائدة.






