ملف الأحد: حكومة ما بعد 23 شتنبر.. التحالفات على الطاولة وفوزي لقجع في قلب النقاش حول التعيين الملكي لرئيس الحكومة

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
لم يكن إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 مجرد محطة لإعادة توزيع مقاعد مجلس النواب، وإنما فتح مباشرة الباب أمام مرحلة سياسية جديدة سيكون عنوانها الأبرز: من يقود الحكومة المقبلة؟ وكيف ستتشكل أغلبيتها؟ وهل نحن أمام استمرار محسّن للتحالف الحكومي السابق، أم أمام هندسة سياسية جديدة تعكس التحول الذي حملته صناديق الاقتراع؟
النتائج الرسمية وضعت حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعداً، والحركة الشعبية بـ29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعداً، والاتحاد الدستوري بـ17 مقعداً، فيما توزعت باقي المقاعد على أحزاب أخرى. وأكدت وزارة الداخلية أن النتائج النهائية تطابق النتائج العامة المؤقتة التي سبق الإعلان عنها.
وبهذه الخريطة، لا يملك أي حزب منفرداً الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب، التي تبلغ 198 مقعداً، ما يجعل تشكيل الحكومة رهيناً بتحالفات وتفاهمات سياسية وبرنامجية بين عدد من القوى. وقد أكد أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري محمد الغالي، في قراءة بثتها القناة الرسمية، أن الفصل 47 يجعل الحزب المتصدر في موقع الحزب المعني بمسار تعيين رئيس الحكومة، مع ملاحظة أن الفصل لا يحدد صراحة أن الشخصية المعينة يجب أن تكون الزعيم الحزبي نفسه.
وهنا تحديداً تبدأ واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية منذ انتخابات 2021.
الفصل 47 يضع “البام” في واجهة التعيين
ينص الفصل 47 من الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، كما ينص على أن أعضاء الحكومة يعينون باقتراح من رئيس الحكومة.
وبما أن الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج بـ97 مقعداً، فإن مسار تشكيل الحكومة الجديدة ينطلق دستورياً من الحزب المتصدر، وليس من الحزب الذي يستطيع بمفرده تشكيل أغلبية، لأن أياً من الأحزاب لم يصل إلى 198 مقعداً.
وهذا التفصيل مهم جداً لفهم المرحلة المقبلة: التصدر الانتخابي يمنح الحزب موقعاً دستورياً متقدماً في عملية تعيين رئيس الحكومة، لكنه لا يمنحه وحده القدرة على تشكيل الأغلبية.
ومن هنا يصبح السؤال مركباً من مستويين: من هي الشخصية التي سيقع عليها الاختيار الملكي لقيادة الحكومة؟ ثم ما هي الأحزاب التي ستجتمع حولها لتوفير الأغلبية البرلمانية؟
وهذان السؤالان مترابطان، لكنهما ليسا سؤالاً واحداً.
المنصوري أم لقجع؟ السؤال الذي خرج من كواليس الانتخابات إلى العلن
منذ أن تمكن الأصالة والمعاصرة من تصدر الانتخابات، أصبح اسم فوزي لقجع حاضراً بقوة في النقاش السياسي والإعلامي حول الشخصية التي يمكن أن تقود المرحلة المقبلة.
لقجع لم يدخل المشهد السياسي من بوابة عادية؛ فقد انتقل خلال صيف 2026 إلى العمل الحزبي من داخل الأصالة والمعاصرة، بعد مسار طويل في تدبير المالية العمومية ورئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، قبل أن يترشح باسم الحزب في دائرة بركان.
وقد أعطى هذا الانتقال معنى سياسياً خاصاً لدخوله “البام”، خصوصاً أن موقعه الحكومي السابق المرتبط بالميزانية جعله قريباً من الملفات الاقتصادية والمالية الكبرى، بينما منحه حضوره الرياضي والدولي رصيداً من الحضور العام تجاوز في السنوات الأخيرة المجال الرياضي الضيق.
ومن هنا بدأت فرضية لقجع تتبلور في النقاش العمومي، خصوصاً بعد أن أصبح عضواً في حزب تصدر الانتخابات.
لكن مقابل لقجع، يوجد اسم فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة وعمدة مراكش، وهي الشخصية التي ارتبط اسمها مباشرة بقيادة الحزب خلال المرحلة الانتخابية.
واللافت أن المنصوري نفسها لم تغلق الباب أمام احتمال تحمل مسؤولية الحكومة، لكنها رفضت أن تقدم نفسها كمرشحة، مؤكدة أن الأمر يعود إلى الملك وفق الصلاحيات الدستورية، وقالت إن تحملها للمسؤولية، إذا وقع، سيكون شرفاً لها.
وهنا تظهر إحدى أهم النقاط التي يجب عدم إغفالها: الحسم في هوية رئيس الحكومة ليس قراراً حزبياً منفرداً، وإنما اختصاص دستوري ملكي، والحزب المتصدر يدخل مسار التعيين باعتباره الطرف السياسي الذي أفرزته الانتخابات في المرتبة الأولى.
لماذا أصبح اسم لقجع مطروحاً بهذا الحجم؟
الحديث عن فوزي لقجع لا يستند فقط إلى حضوره الإعلامي، وإنما إلى مجموعة من المعطيات التي جعلته أحد أبرز الأسماء التي تتردد في النقاش العام.
أول هذه المعطيات أنه أصبح سياسياً وحزبياً منتخباً من داخل الحزب المتصدر، بعدما كان لسنوات شخصية حكومية ذات حضور قوي في الملفات المالية.
ثانيها أن لقجع يوجد في قلب ملفات مالية واقتصادية واستثمارية كبرى، وهي ملفات ستكون مركزية في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع الاستعدادات المتواصلة لاستضافة المغرب لكأس العالم 2030، وما يرتبط بها من أوراش للبنية التحتية والاستثمار والنقل والمطارات والملاعب والسياحة.
ثالثها أن انتقاله إلى “البام” قبل الانتخابات لم يكن خطوة هامشية؛ فقد جاء في وقت كان الحزب يعيد بناء صورته التنظيمية والسياسية، وتم تقديم لقجع باعتباره إحدى الشخصيات ذات الحضور الوطني التي يمكن أن تضيف بعداً جديداً إلى المشروع الحزبي. كما أن البرنامج الانتخابي للحزب حمل بصمات واضحة في الجانب الاقتصادي والاستثماري، مع تعهدات مالية ضخمة للفترة 2027-2031.
لكن كل هذه العناصر لا تعني تلقائياً أن لقجع سيعين رئيساً للحكومة، إذ لا يوجد إلى حدود الآن إعلان رسمي بهذا الاتجاه.
وهذه النقطة أساسية في قراءة المرحلة.
المنصوري تترك الباب مفتوحاً.. والحزب يقول إن القرار للملك
في مقابل النقاش المتصاعد حول لقجع، حرصت فاطمة الزهراء المنصوري على عدم الدخول في منافسة علنية على رئاسة الحكومة.
الأكثر دلالة في تصريحاتها أنها قالت إن الحزب يحترم قرار الملك، وإنه إذا تم اختيارها لتحمل المسؤولية فسيكون ذلك شرفاً لها، لكنها في الوقت نفسه تحدثت عن انسجام بينها وبين فوزي لقجع، وأكدت أن قيادة الحزب ستشتغل مع الشخصية التي سيقع عليها الاختيار.
وهذا الموقف يخفف، على الأقل في الخطاب العلني، من فكرة وجود صراع داخلي معلن بين الرجل والمرأة اللذين ارتبط اسماهما بالمرحلة الجديدة داخل “البام”.
بل إن المنصوري وسعت دائرة الأسماء المحتملة عندما قالت إن القرار يمكن أن يطال أي شخصية يختارها الملك، مؤكدة أن الحزب سيشتغل معها لإنجاح المرحلة.
وهذا يعني أن النقاش الحقيقي لا يدور فقط حول “لقجع أم المنصوري”، وإنما حول النموذج الذي ستحتاجه الحكومة المقبلة: شخصية ذات حضور حزبي مباشر، أم شخصية ذات خبرة تنفيذية واقتصادية واسعة، أم تركيبة أخرى يختارها القرار الملكي من داخل الحزب المتصدر.
التحالف الثلاثي يعود إلى الحسابات.. ولكن ليس بالشكل نفسه
الأرقام تنتج أول سيناريو واضحاً للغاية.
الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65، يصل مجموعها إلى 228 مقعداً، أي أكثر بـ30 مقعداً من الأغلبية المطلقة المطلوبة.
هذه الأرقام تعني أن الأحزاب الثلاثة التي شكلت الحكومة السابقة قادرة حسابياً على إعادة إنتاج أغلبية مريحة، لكن مع تغيير موقع القيادة من التجمع الوطني للأحرار إلى الأصالة والمعاصرة.
وقد أشارت تحليلات سياسية منشورة إلى أن هذا السيناريو يظل مطروحاً على الطاولة، بالنظر إلى أن الأحزاب الثلاثة ما زالت تتوفر مجتمعة على أغلبية مريحة داخل مجلس النواب.
غير أن السياسة لا تشتغل بالأرقام وحدها.
فالعلاقة بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار عرفت خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات توترات وتبادل انتقادات، كما شهدت الحملة الانتخابية صراعاً واضحاً بين الطرفين.
لذلك، فإن إعادة تركيب الأغلبية السابقة ستكون مختلفة عن حكومة 2021، لأن “البام” سيكون هذه المرة في موقع الحزب الأول، فيما سيكون التجمع الوطني للأحرار في المرتبة الثانية بعد أن تصدر انتخابات 2021.
والسؤال السياسي سيكون: هل يمكن تحويل المنافسة الانتخابية الحادة إلى شراكة حكومية جديدة؟
الجواب لن تحدده الحسابات الإعلامية، وإنما المشاورات السياسية المقبلة.
الاستقلال.. 65 مقعداً تجعل موقعه مركزياً
حزب الاستقلال خرج من الانتخابات بـ65 مقعداً، وهو رقم يمنحه موقعاً مهماً في أي حساب للأغلبية.
وبالحساب البرلماني، يمكن أن يدخل الحزب في عدد من التركيبات المختلفة، وهو ما يجعل موقعه خلال المشاورات مهماً للغاية.
وجود 65 نائباً يعني أن أي أغلبية واسعة ستحتاج، في عدد من التركيبات، إلى الاستقلال أو إلى كتلة بديلة قادرة على تعويض هذا الرقم.
وهذا ما يجعل نزار بركة وحزبه أمام مرحلة تفاوضية جديدة، خصوصاً أن الاستقلال كان جزءاً من الحكومة السابقة، لكنه يدخل الحكومة المقبلة من موقع برلماني مختلف.
وماذا عن العدالة والتنمية؟
عودة حزب العدالة والتنمية بـ54 مقعداً شكلت إحدى أبرز التحولات في الخريطة الجديدة.
لكن المستجد الحاسم جاء من داخل الحزب نفسه.
فالمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية صادق بالإجماع، في دورته الاستثنائية المنعقدة السبت، على قرار عدم المشاركة في الحكومة المقبلة والاصطفاف في المعارضة. وبذلك خرج الحزب رسمياً من الحسابات الحكومية التي كانت مطروحة قبل هذا القرار.
وهذا القرار يغير جزءاً مهماً من الحسابات.
فقد كانت تركيبة الأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية توفر 216 مقعداً، فيما كانت تركيبة الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية توفر 217 مقعداً.
لكن بعد قرار العدالة والتنمية الاصطفاف في المعارضة، لم يعد ممكناً التعامل مع هذه الصيغ باعتبارها خيارات سياسية معلنة في الوقت الراهن.
وهكذا ضاقت بعض مساحات المناورة، وأصبحت الأحزاب التي كانت جزءاً من الأغلبية السابقة أكثر حضوراً في الحسابات الجديدة.
هل يمكن أن تتوسع الحكومة إلى أحزاب أخرى؟
نعم، الحساب البرلماني يسمح بذلك.
فالحركة الشعبية تمتلك 29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي 26، والتقدم والاشتراكية 19، والاتحاد الدستوري 17، إلى جانب أحزاب أخرى بمقاعد أقل.
وهذه الخريطة تجعل تشكيل الحكومة ممكناً من خلال أكثر من تركيب عددي.
لكن المشاورات لن تكون مجرد عملية جمع للأرقام.
فكل حزب سيضع أمامه برنامجه الانتخابي، وأولوياته الاجتماعية والاقتصادية، وحصته السياسية المحتملة، وموقعه داخل الأغلبية، وطبيعة القطاعات الحكومية التي يمكن أن يدبرها.
وهذا بالضبط ما أكدته فاطمة الزهراء المنصوري عندما قالت إن حزب الأصالة والمعاصرة لا يضع خطوطاً حمراء مسبقة أمام الأحزاب، وإن معيار التحالف سيكون البرامج والتصورات التي قدمتها الأحزاب للمواطنين.
وبذلك، فإن المفاوضات المقبلة ستكون أقرب إلى إعادة بناء عقد حكومي جديد، وليس مجرد تمديد آلي للتحالف السابق.
الحكومة المقبلة أمام ملفات أكبر من الحسابات الحزبية
المشهد السياسي الجديد لا يمكن فصله عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي ستعمل داخله الحكومة المقبلة.
المغرب يدخل مرحلة مرتبطة بأوراش ضخمة استعداداً لكأس العالم 2030، وفي الوقت نفسه توجد رهانات مرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية والتعليم والصحة وتقليص الفوارق المجالية.
ولهذا فإن هوية رئيس الحكومة ليست القضية الوحيدة.
الأهم سيكون شكل الحكومة وقدرتها على تحويل التحالف السياسي إلى برنامج تنفيذي واضح.
حزب الأصالة والمعاصرة نفسه جعل القدرة الشرائية والشباب والاستثمار والتشغيل ضمن أولوياته، فيما تحدثت المنصوري بعد النتائج عن ضرورة مواجهة ما سمته “مغرب السرعتين” وتقليص التفاوتات المجالية.
وبالتالي، فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بتدبير مرحلة تختلف عن المرحلة السابقة من حيث حجم المشاريع المنتظرة، وضغط الاستحقاقات الاجتماعية، وقرب موعد كأس العالم، والحاجة إلى تسريع عدد من الأوراش.
لقجع.. شخصية المرحلة أم اسم بارز ضمن عدة أسماء؟
هنا تصل القراءة إلى النقطة الأكثر حساسية.
اسم فوزي لقجع موجود فعلاً في قلب النقاش حول رئاسة الحكومة، وليس مجرد اسم عابر في التحليلات الإعلامية. وقد تناولت وسائل إعلام دولية ومحلية احتمال انتقاله من موقع المسؤول المالي والرياضي إلى موقع سياسي تنفيذي أعلى، بالتوازي مع طرح اسم فاطمة الزهراء المنصوري.
لكن الفرق كبير بين “وجود الاسم في دائرة النقاش” وبين “حسم التعيين”.
الفصل 47 لا يمنح وسائل الإعلام ولا الأحزاب صلاحية الإعلان عن رئيس الحكومة المقبل قبل القرار الملكي.
ولهذا، فإن كل قراءة مسؤولة للمرحلة يجب أن تضع لقجع ضمن الأسماء البارزة المطروحة، وأن تفسر أسباب صعود اسمه، لكنها لا تستطيع تحويل النقاش السياسي إلى قرار مسبق.
والشيء نفسه ينطبق على المنصوري وعلى أي اسم آخر قد يظهر في الساعات المقبلة.
لحظة التعيين ستكون بداية الاختبار الحقيقي
بعد إعلان النتائج النهائية، انتهت مرحلة الصناديق وبدأت مرحلة أخرى أكثر تعقيداً.
الملك سيعين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات وعلى أساس نتائجها، ثم تبدأ مرحلة المشاورات لتكوين الأغلبية واقتراح أعضاء الحكومة.
ومن هنا يمكن فهم المرحلة المقبلة باعتبارها ثلاث حلقات مترابطة:
الأولى هي قرار التعيين الملكي.
الثانية هي مشاورات رئيس الحكومة المعين مع الأحزاب لتشكيل الأغلبية.
والثالثة هي بناء حكومة قادرة على الحصول على الثقة وتحويل البرنامج الانتخابي إلى برنامج حكومي.
وفي كل حلقة ستكون الحسابات مختلفة.
فقد يكون الشخص المعين معروفاً داخل الحزب، وقد يكون شخصية أخرى منه، بينما ستتحدد تركيبة الحكومة وفق المفاوضات التي ستبدأ بعد ذلك.
ما الذي تغير بعد 23 شتنبر؟
أهم ما تغير هو أن الأصالة والمعاصرة انتقل من موقع الشريك في الحكومة إلى موقع الحزب الأول في البرلمان.
والتجمع الوطني للأحرار انتقل من المرتبة الأولى إلى الثانية.
والاستقلال بقي في قلب الأغلبية العددية.
والعدالة والتنمية عاد بقوة إلى البرلمان، لكنه اختار رسمياً المعارضة.
وفي الوقت نفسه، صعدت أسماء جديدة أو أعيد تقديم أسماء قديمة في النقاش حول قيادة المرحلة، وعلى رأسها فوزي لقجع وفاطمة الزهراء المنصوري.
وبذلك، فإن حكومة ما بعد 23 شتنبر لن تكون مجرد نسخة من حكومة 2021.
حتى إذا عادت الأحزاب الثلاثة نفسها إلى الحكومة، فإن موازين القوة تغيرت، والحزب الذي سيتولى قيادة الحكومة سيكون مختلفاً، كما أن حجم كل طرف داخل البرلمان تغير.
المغرب أمام حكومة جديدة وتركيبة لم تُحسم بعد
الانتخابات حسمت شيئاً واحداً بشكل واضح: حزب الأصالة والمعاصرة هو الحزب المتصدر بـ97 مقعداً، وبالتالي فإن مسار تعيين رئيس الحكومة ينطلق منه دستورياً.
لكن الانتخابات لم تحسم اسم رئيس الحكومة ولا شكل الأغلبية.
فوزي لقجع أصبح أحد أبرز الأسماء المتداولة في هذا النقاش، بحكم دخوله إلى “البام”، وفوزه بمقعد برلماني، وموقعه السابق في الحكومة، ومسؤوليته عن الميزانية، وحضوره الوطني والدولي، في وقت توجد فيه فاطمة الزهراء المنصوري في موقع قيادي مباشر داخل الحزب المتصدر، وقد أعلنت احترامها الكامل للقرار الملكي.
أما على مستوى الأغلبية، فإن التحالف الثلاثي بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال يمتلك حسابياً 228 مقعداً، وهي أغلبية مريحة، لكنه يحتاج إلى تحويل الحساب العددي إلى اتفاق سياسي جديد بعد التوترات التي طبعت العلاقة بين مكوناته خلال المرحلة السابقة.
وفي المقابل، فإن قرار العدالة والتنمية الاصطفاف في المعارضة أغلق عملياً باب أحد السيناريوهات التي كانت مطروحة في الحسابات الأولية.
وهكذا، فإن الساعات والأيام المقبلة ستكون مرحلة مشاورات أكثر منها مرحلة انتخابات.
لن تكون القضية فقط: من فاز؟
فالجواب أصبح معروفاً.
السؤال الذي سيحكم المرحلة الجديدة هو: من سيقود الحزب المتصدر إلى تشكيل حكومة قادرة على جمع أغلبية برلمانية، وما هو شكل العقد السياسي الذي سيجمع مكونات هذه الأغلبية؟
وهنا بالضبط سيظهر معنى انتخابات 23 شتنبر: ليس فقط في ترتيب الأحزاب، وإنما في الطريقة التي ستتحول بها نتائج الصناديق إلى حكومة جديدة، وبرنامج حكومي جديد، ومرحلة سياسية مختلفة في أفق 2030 وما بعدها.
أما اسم فوزي لقجع، فقد أصبح بالفعل واحداً من أبرز مفاتيح النقاش حول هذه المرحلة، لكن مفتاح الحسم النهائي يبقى في القرار الدستوري للملك، ثم في المشاورات السياسية التي ستليه.
والعنوان الحقيقي للمرحلة المقبلة، في نهاية المطاف، لن يكون اسم الشخص وحده، بل طبيعة الحكومة التي ستولد من نتائج 23 شتنبر، وقدرتها على الجمع بين الاستمرارية والتغيير، وبين الأوراش الكبرى والانتظارات الاجتماعية، وبين قوة الأغلبية وضرورة استعادة الثقة السياسية.






