سياسة

ملف الأحد:أمير المؤمنين والأمن الروحي المغربي… حين يتحول الدين إلى حصن استقرار في زمن التحولات

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتفاقم فيه أزمات الهوية، وتتنامى فيه خطابات التطرف والعنف باسم الدين، يبرز المغرب كاستثناء لافت في محيط إقليمي مضطرب. ليس لأنه بمنأى عن التحديات، بل لأنه اختار منذ قرون بناء نموذج خاص في تدبير الشأن الديني، قوامه إمارة المؤمنين باعتبارها الضامن لوحدة المرجعية وحامية الوسطية والاعتدال.

ومع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد الأسئلة حول سر هذا التوازن المغربي: كيف استطاع المغرب أن يجعل من الدين ركيزة استقرار لا أداة صراع؟ وكيف تحولت إمارة المؤمنين إلى صمام أمان روحي يقي البلاد من الانزلاقات التي عرفتها تجارب أخرى؟

الجواب يكمن في مفهوم مركزي بات يشكل أحد أعمدة الدولة المغربية الحديثة: الأمن الروحي.

إمارة المؤمنين… الشرعية التي تؤطر المجال وتحمي المجتمع

يتولى جلالة الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، مسؤولية حماية الدين وضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية، كما ينص على ذلك دستور المملكة. غير أن هذا الدور يتجاوز الإطار الرمزي أو البروتوكولي؛ فهو يقوم على شرعية تاريخية متجذرة في البيعة، وعلى وظيفة دستورية حديثة تنظم الحقل الديني وتحميه من التسييس والفوضى.

إمارة المؤمنين في المغرب ليست نظاماً ثيوقراطياً يحكم باسم التفويض الإلهي، وليست في المقابل صيغة علمانية تفصل الدين عن المجال العام. إنها صيغة توفيقية فريدة تجعل من المؤسسة الملكية مرجعية عليا توحد الاجتهادات وتمنع التنازع حول التأويل الديني.

هذه الخصوصية التاريخية جنّبت المغرب صراعات مذهبية حادة، ورسخت ثلاثية مرجعية واضحة:

  • المذهب المالكي في الفقه

  • العقيدة الأشعرية في أصول الدين

  • التصوف السني في السلوك والتزكية

اختيار هذه المرجعية لم يكن صدفة، بل كان نتيجة تراكم تاريخي جعل التدين المغربي ميالاً إلى الاعتدال والانفتاح، بعيداً عن التشدد أو الإقصاء.

من تدبير تقليدي إلى هندسة مؤسساتية حديثة

شكلت أحداث 16 ماي 2003 محطة فاصلة في إعادة هيكلة الحقل الديني. فقد أطلقت الدولة مراجعة شاملة انتهت إلى بناء منظومة مؤسساتية متكاملة تجعل الأمن الروحي سياسة عمومية قائمة بذاتها.

يتصدر هذه المنظومة المجلس العلمي الأعلى، الذي يرأسه أمير المؤمنين، وهو الجهة الوحيدة المخول لها إصدار الفتوى الرسمية. وتندرج تحته شبكة من المجالس العلمية المحلية تغطي مختلف جهات المملكة، تشرف على تأطير الأئمة والخطباء، وتنظيم الدروس، ومراقبة وحدة الخطاب الديني داخل المساجد.

كما تم تأهيل آلاف الأئمة والمرشدين والمرشدات، في خطوة عكست إدماج المرأة في منظومة التأطير الديني، بما يعزز البعد التربوي والاجتماعي للمؤسسة الدينية.

اليوم، يشرف المغرب على أكثر من خمسين ألف مسجد، يؤطرها خطاب موحد ومنضبط، في تجربة قل نظيرها إقليمياً من حيث التنظيم والانتشار والانسجام المرجعي.

معهد تكوين الأئمة… تصدير الاعتدال إلى العالم

من أبرز تجليات التحول الاستراتيجي في إدارة الحقل الديني تأسيس معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، الذي أصبح منصة دولية لتكوين أئمة من إفريقيا وأوروبا وفق منهج الوسطية المغربية.

يستقبل المعهد مئات الطلبة من دول مثل مالي والسنغال وغينيا وساحل العاج وتشاد، إضافة إلى فرنسا وبلجيكا. ويتلقى هؤلاء تكويناً يجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية واللغات، في رؤية تجعل الإمام فاعلاً مجتمعياً واعياً بسياقه، لا مجرد ناقل لنصوص جامدة.

بهذه الخطوة، انتقل المغرب من مرحلة حماية أمنه الروحي داخلياً إلى مرحلة المساهمة في حماية الأمن الروحي الإقليمي. وأصبحت إمارة المؤمنين مرجعية روحية تتجاوز الحدود الوطنية، خصوصاً في العمق الإفريقي حيث ترتبط شعوب عديدة بروابط تاريخية وصوفية مع المغرب.

الدبلوماسية الدينية… حين تتحول الروابط الروحية إلى قوة ناعمة

اختار المغرب في سياسته الإفريقية الجمع بين الاقتصاد والثقافة والدين. وبعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، تعزز هذا التوجه عبر اتفاقيات تعاون ديني، وترميم مساجد تاريخية، وتنظيم ملتقيات صوفية.

الطرق الصوفية، وعلى رأسها التيجانية، شكلت عبر قرون جسور تواصل بين المغرب وبلدان الساحل وغرب إفريقيا. واليوم يتم توظيف هذا الإرث الروحي في إطار دبلوماسية ناعمة تعزز الحضور المغربي وتواجه تمدد الخطابات المتشددة في مناطق تعاني هشاشة أمنية.

إنها معادلة دقيقة:
الدين هنا ليس أداة توسع، بل أداة استقرار.
وليس وسيلة هيمنة، بل وسيلة شراكة.

رمضان… تجلّي الأمن الروحي في أبهى صوره

في شهر رمضان، يتكثف الحضور الروحي للدولة والمجتمع. الدروس الحسنية الرمضانية التي تُنظم بإشراف أمير المؤمنين تعكس عمق الاجتهاد الفقهي المغربي، وتؤكد وحدة المرجعية.

كما تتجسد قيم التضامن عبر مبادرات اجتماعية واسعة، تشرف عليها مؤسسة محمد الخامس للتضامن من خلال عملية “رمضان”، التي تستفيد منها ملايين الأسر سنوياً.

رمضان في المغرب ليس مجرد شعيرة دينية، بل لحظة وطنية جامعة تتعزز فيها قيم التسامح والتكافل، ويشعر المواطن أن الدين ليس خطاباً نظرياً، بل ممارسة اجتماعية تؤسس للتماسك.

المغرب… أرض التعدد والتعايش

يتميز المغرب بكونه فضاءً تاريخياً لتلاقي الحضارات والديانات. فقد تعايش المسلمون واليهود والمسيحيون عبر قرون في مدنه العتيقة، من فاس إلى الصويرة.

دستور 2011 اعترف بالروافد العبرية ضمن الهوية الوطنية، في إشارة واضحة إلى أن الأمن الروحي لا يقوم على الإقصاء، بل على حماية التعدد داخل إطار الوحدة.

هذا النموذج جعل المغرب بعيداً عن صراعات الهوية الحادة التي شهدتها دول أخرى، حيث تحولت الاختلافات الدينية إلى وقود نزاعات دامية.

تحديات العصر الرقمي… هل يتكيف النموذج؟

رغم متانة البناء المؤسساتي، يواجه الأمن الروحي تحديات جديدة، أبرزها الفضاء الرقمي المفتوح، حيث تنتشر فتاوى غير مؤطرة وخطابات متشددة عابرة للحدود.

غير أن المقاربة المغربية لم تبق جامدة؛ فقد تم تطوير منصات رقمية، وإطلاق برامج تكوين مستمر للأئمة، وتعزيز حضور العلماء في الإعلام، بما يواكب التحولات المجتمعية.

القوة الحقيقية للنموذج المغربي تكمن في مرونته، وفي قدرته على التحديث دون التفريط في المرجعية.

حين يصبح الدين ركيزة دولة

في تجارب عديدة حول العالم، كان الدين عاملاً للانقسام. أما في المغرب، فقد تحول إلى عنصر توحيد واستقرار بفضل هندسة دقيقة يقودها أمير المؤمنين.

الأمن الروحي هنا ليس مجرد مفهوم نظري، بل منظومة متكاملة:

  • مرجعية موحدة

  • مؤسسات علمية منظمة

  • تأطير مستمر للأئمة

  • دبلوماسية دينية عابرة للحدود

  • بعد اجتماعي تضامني يتجلى بقوة في رمضان

في زمن تتراجع فيه الثقة في المؤسسات، يظل النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني أحد أعمدة استقرار الدولة.

إنه خيار استراتيجي يجعل من الروح حصناً،
ومن الدين طاقة بناء،
ومن إمارة المؤمنين ضمانة لوحدة الأمة وتماسكها.

وفي عالم يبحث عن توازن بين الهوية والحداثة، يقدم المغرب درساً مفاده أن الاعتدال ليس موقفاً وسطياً ضعيفاً، بل هو قوة تاريخية قادرة على حماية المجتمعات وصون الدول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى