سياسة

مشروع القانون رقم 59.24 للتعليم العالي… بين المصادقة والتوتر الجامعي

أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عن استكمال المسطرة التشريعية لمشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، بعد المصادقة عليه في القراءة الثانية بمجلس النواب يوم الثلاثاء 20 يناير الجاري.

واعتبرت الوزارة في بلاغ رسمي أن هذه الخطوة تمثل “حدثاً تشريعياً يعكس انخراطاً جماعياً ناضجاً لإنجاح هذا الورش المفصلي”، معتبرة أن القانون يشكل تتويجاً لمسلسل إصلاحي يتماشى مع تطلعات الفاعلين لتطوير المنظومة الجامعية.

قانون مثير للجدل

رغم الموقف الإيجابي للوزارة، يشهد الوسط الجامعي حالة من التوتر، إذ أعلن الأساتذة الجامعيون والنقابات الأكثر تمثيلية عن رفضهم لمضامين القانون، معتبرين أنه جاء “معيباً شكلاً ومضموناً”، وأنه يتجاهل المقاربة التشاركية التي طالبت بها النقابات والهيئات الجامعية منذ بداية إعداد المشروع.

وتشير المعطيات إلى أن النقابة الوطنية للتعليم العالي، الأكثر تمثيلية للأساتذة الباحثين، قررت تنظيم إضراب وطني شامل أيام 3 و4 و5 فبراير المقبل، احتجاجاً على تمرير القانون دون الاستجابة لمطالبها. وتؤكد النقابة أن المشروع الحالي لا يعكس الواقع الميداني للجامعات، ولا يواكب حاجيات الأساتذة والطلبة، ما يهدد الاستقرار الأكاديمي.

جذور الخلاف

الجدل الحالي حول القانون ينبع من عدة نقاط أساسية:

  • غياب التوافق النقابي: القانون مرر دون إدماج مقترحات النقابات، التي دعت مسبقاً إلى تجميد المشروع وإعادة فتح الحوار.

  • إشكالات شكلية ومضمونية: يشتكي الأساتذة من أن بعض المواد قد تؤثر على استقلالية الجامعات، وحرية البحث العلمي، وحقوق الشغيلة الجامعية.

  • فجوة بين التشريع والتنفيذ: القانون رغم موافقته، يطرح تساؤلات حول قدرة الوزارة على تطبيقه فعلياً داخل المؤسسات الجامعية، خصوصاً في ظل رفض واسع من قبل من يشكلون العمود الفقري للأطر التعليمية.

مواجهة مباشرة ومرحلة اختبار

المواجهة المرتقبة بين الوزارة والنقابات ترسم تحدياً حقيقياً أمام الحكومة، حيث ستختبر قدرة الوزير على تسويق القانون، وفتح قنوات حوار مرنة، وتجاوز الاحتقان، لضمان تنزيله دون زعزعة الاستقرار الجامعي.

ويشير مراقبون إلى أن أي تطبيق صارم للقانون دون استجابة لمطالب الأساتذة قد يؤدي إلى تصعيد الاحتجاجات، وإضرابات طويلة، وتأخير برامج التكوين والبحث العلمي، وهو ما يضع المنظومة الجامعية في مواجهة مباشرة بين التشريع الرسمي وواقع المؤسسات الجامعية.

التحديات الواقعية

نجاح القانون لن يقاس بالمصادقة عليه فقط، بل بقدرته على تحسين جودة التعليم العالي، وضمان حقوق الأساتذة والباحثين، وتحقيق التوازن بين الإصلاح الإداري ومرونة الجامعات.

من أبرز التحديات التي تواجه الوزارة:

  • إقناع الأساتذة والطلبة بجدوى القانون، عبر فتح حوار تشاركي فعال يراعي مصالح الجميع.

  • تطبيق الإصلاحات الجديدة على أرض الواقع، بما يشمل إعادة هيكلة بعض الهياكل الجامعية، وتحديد آليات جديدة للتقييم والتسيير.

  • إدارة الاحتقان النقابي، مع ضمان أن لا تتحول الاحتجاجات إلى تعطل حقيقي لمسار الدراسة والبحث العلمي.

الطريق إلى التنفيذ

يبقى الرهان الأساسي على قدرة الوزارة على تجاوز مرحلة التشريع إلى مرحلة التنفيذ الواقعي، مع الاستجابة لملاحظات النقابات والأساتذة، وضمان عدم الإضرار بمصلحة الطلبة أو جودة البحث العلمي.

وتشير التحليلات إلى أن القانون قد ينجح إذا ما اقترنت المصادقة البرلمانية بـ آليات متابعة دقيقة، وحوار مفتوح، وإجراءات تصحيحية قابلة للتطبيق، بعيداً عن المنطق الانفرادي أو الأحادي الجانب.

مشروع القانون رقم 59.24 يمثل خطوة إصلاحية مهمة للتعليم العالي، لكنه يضع الوزارة أمام اختبار حقيقي: هل ستتمكن من تنزيله على أرض الواقع في ظل رفض النقابات والأساتذة، أم أن الاحتقان الجامعي سيؤخر تطبيقه ويضعف أثره الإصلاحي؟

يبقى مستقبل هذا القانون رهين مدى قدرة الوزارة على فتح حوار تشاركي، وضمان توازن الإصلاح بين الأساتذة والطلبة والإدارة الجامعية، دون أن تتحول الصياغة القانونية إلى مصدر تصادم دائم داخل الجامعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى