فاس على أعتاب منعطف حاسم: خارطة طريق جديدة لمعالجة إرث الانهيارات العمرانية وتحصين المدينة من تكرار المأساة

تشهد مدينة فاس دينامية إدارية وقضائية غير مسبوقة، في أعقاب سلسلة الانهيارات التي هزّت عدداً من أحيائها خلال السنوات الأخيرة، خاصة بحي بنسليمان وحي الأندلس المسيرة، إلى جانب منازل أخرى سقطت في ظروف وصفت بالمريبة داخل النسيج العتيق وبعض الأحياء الشعبية. هذه الأحداث لم تكن مجرد وقائع معزولة، بل كشفت عن اختلالات متراكمة في تدبير المجال العمراني، وطرحت بإلحاح سؤال المسؤولية وربطها بالمحاسبة.
في هذا السياق، يعكف والي جهة فاس مكناس، خالد آيت الطالب، رفقة مختلف المصالح الولائية والمؤسسات شبه العمومية، على تنزيل خارطة طريق جديدة تروم القطع مع المقاربات السابقة، والانتقال نحو معالجة جذرية وشاملة لملف السكن المهدد بالانهيار.
من منطق “البقع الأرضية” إلى خيار السكن المباشر
المقاربة الجديدة، التي يتم إعدادها بتنسيق بين وزارة الداخلية ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، تقوم على مبدأ توفير سكن مباشر للمتضررين، بدل الاقتصار على تمكينهم من بقع أرضية كما كان معمولاً به في برامج سابقة، من قبيل برنامج “مدن بدون صفيح”.
هذا التحول يعكس قناعة رسمية بأن الحلول الترقيعية لم تعد كافية، وأن معالجة ملف المنازل الآيلة للسقوط داخل المدينة العتيقة والأحياء الهشة تقتضي رؤية اجتماعية وعمرانية متكاملة، تراعي كرامة الأسر المتضررة، وتضمن استقرارها الفوري، دون تحميلها أعباء مالية أو إجرائية إضافية.
ووفق المعطيات المتوفرة، فإن ولاية الجهة تشرف على إعداد تصور متكامل لعملية ترحيل واسعة النطاق، تستهدف نقل الأسر القاطنة بمناطق الخطر إلى أحياء تستجيب لمعايير السلامة والعيش الكريم، مع توفير البنيات الأساسية والخدمات الاجتماعية الضرورية، بما يضمن اندماجاً حضرياً حقيقياً لا مجرد نقل جغرافي للسكان.
الوالي خالد آيت الطالب… قيادة ميدانية ورهان على القطيعة مع الماضي
في قلب هذه الدينامية، يبرز اسم والي جهة فاس مكناس، خالد آيت الطالب، باعتباره المسؤول الترابي الذي يقود هذا الورش الحساس في مرحلة دقيقة. فالرجل، المعروف بأسلوبه التدبيري الصارم وحرصه على التنسيق بين مختلف المتدخلين، اختار منذ البداية مقاربة تقوم على الحزم في تتبع الملفات، والسرعة في اتخاذ القرار، والانفتاح على حلول غير تقليدية لمعالجة أعطاب متراكمة منذ سنوات.
ويُسجَّل للوالي حرصه على تتبع تفاصيل الملف ميدانياً، عبر اجتماعات موسعة وتقارير تقنية دقيقة، مع الدفع نحو تسريع جرد البنايات الآيلة للسقوط وتحيين لوائح المستفيدين من الترحيل، تفادياً لأي لبس أو استغلال. كما يعمل على إعادة ترتيب أولويات التدخل، واضعاً سلامة المواطنين فوق كل اعتبار، في انسجام تام مع التوجيهات الملكية السامية لتوفير السكن الائق للمواطنين و كذلك تعليمات المركز الرامية إلى تعزيز الحكامة الترابية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذا الحضور القوي للسلطة الترابية في تدبير الملف يُنظر إليه كإشارة واضحة على إرادة القطع مع مرحلة سابقة طبعها التراخي أو تضارب الاختصاصات، والانتقال إلى مرحلة تقوم على وضوح الرؤية، وتحديد المسؤوليات، وتسريع وتيرة الإنجاز.
إرث ثقيل وتحقيقات متشعبة
بالموازاة مع الشق الاجتماعي والعمراني، ما تزال التحقيقات القضائية جارية في ملف العمارتين المنهارتين، في إطار مسار يروم تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات. وتشير المعطيات إلى أن الملف يخضع لتتبع دقيق من طرف مختلف أجهزة الدولة، في أفق فك شفرات سنوات من التراخي أو سوء التدبير المحتمل.
كما تباشر المفتشية العامة لوزارة الداخلية تحقيقاً إدارياً داخلياً لتحديد أوجه التقصير إن وُجدت، وترتيب المسؤوليات التأديبية في حق كل من ثبت تورطه في الإخلال بواجباته.
وفي تطور لافت، أصدرت النيابة العامة المختصة بمدينة فاس قرارات بإغلاق الحدود في وجه عدد من أعوان السلطة ومسؤولين ترابيين ومنتخبين، من بينهم رئيس مقاطعة ونائبه، إضافة إلى منعشين عقاريين وسماسرة، في إطار إجراءات احترازية تهدف إلى ضمان حسن سير البحث وعدم التأثير عليه.
هذه الإجراءات تعكس توجهاً واضحاً نحو تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، في ملف يرتبط بأرواح المواطنين وسلامتهم.
إعادة بناء الثقة في التدبير العمراني
الرهان اليوم لا يقتصر على معالجة تداعيات انهيارات سابقة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء الثقة في منظومة التعمير والمراقبة، وتحصين المدينة من تكرار مثل هذه الكوارث.
فالمدينة العتيقة لفاس، المصنفة تراثاً عالمياً من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، و بعض الأحياء الشعبية الحديثة و التي شيدت في وقت سابق في ظروف مشبوهة و غير مراقبة و لا تتوفر على أي ترخيص إضافي و الغش في البناء، يعانيان منذ سنوات من هشاشة عدد من بناياتها، بفعل التقادم، والرطوبة، وضعف الصيانة، وأحياناً نتيجة تدخلات غير قانونية أو مخالفات تعميرية. وهو ما يفرض مقاربة مزدوجة: حماية الطابع التاريخي للمدينة و القطع مع العمارات العشوائية، وضمان سلامة قاطنيها في الآن ذاته.
وتؤكد مصادر مطلعة أن الاستراتيجية الجاري إعدادها ستعتمد على جرد دقيق للبنايات المهددة، وتحيين المعطيات التقنية، وتعزيز آليات المراقبة الميدانية، مع تسريع مساطر التدخل الاستباقي قبل وقوع أي انهيار جديد.
منعطف جديد في تدبير المجال
ووفق مصادر متطابقة فإن ولاية الجهة في المراحل الأخيرة بعد توفير الإمكانيات واللوجستيكية اللازمة، فإن المشروع المرتقب قد يشكل منعطفاً حقيقياً في تدبير ملف السكن الهش بمدينة فاس، ويفتح مرحلة جديدة قوامها التخطيط المسبق، والتدخل الاستباقي، والتنسيق المؤسساتي المحكم.
فاس، بتاريخها العريق ورمزيتها الوطنية، تقف اليوم أمام فرصة لإعادة ترتيب بيتها العمراني من الداخل. وبين صرامة المسار القضائي، وطموح المشروع الاجتماعي المرتقب، وحضور الوالي خالد آيت الطالب في واجهة التدبير، تبدو المدينة على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها: الإصلاح الهيكلي بدل التدبير الظرفي، والمسؤولية بدل الإفلات، والسكن الكريم كمدخل أساسي للاستقرار والتنمية.






