سياسة

فاس بين استنفار “الدولة” وعبث “الجماعة”: كيف سقط العمدة البقالي في “المحظور” وخالف الإجماع الوطني يوم افتتاح “الكان”؟

بينما تعيش المملكة المغربية حالة من التعبئة القصوى، وتتجند مؤسسات السيادة من سلطات ترابية، وأجهزة أمنية، وقوات عمومية، لإخراج أولى مباريات كأس الأمم الإفريقية 2025 بمدينة فاس في صورة تليق بمقام “المغرب القارة”، اختارت رئاسة مجلس جماعة فاس، في شخص عمدتها عبد السلام البقالي، أن تسبح عكس التيار الوطني، مقدمةً نموذجاً صارخاً لـ”النشاز السياسي” والارتباك الإداري، عبر الإصرار على عقد دورة استثنائية للمجلس في نفس يوم الحدث الرياضي القاري الكبير.

خيانة اللحظة التاريخية.. “البروتوكول” المفقود

إن إقدام عمدة فاس على برمجة دورة استثنائية يوم الثلاثاء 23 دجنبر 2025، وهو اليوم الذي تشهد فيه المدينة استنفاراً أمنياً ولوجستيكياً لتأمين  أول مباراة  بين نيجيريا وتنزانيا، لا يمكن تصنيفه إلا في خانة “العبث التدبيري” أو “الانفصال التام عن الواقع”. فبينما يترأس والي الجهة والمسؤولون الأمنيون غرف العمليات الميدانية لتأمين تدفق الجماهير وضيوف “الكاف”، يجر العمدة مستشاري المدينة إلى قاعة مغلقة لمناقشة نقاط تقنية وميزانياتية كان يمكن تدبيرها في أي وقت آخر. هذا السلوك يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى إدراك رئاسة الجماعة لمفهوم “الإجماع الوطني” وتعبئة المؤسسات لخدمة الأجندة الكبرى للمملكة.

جدول أعمال “بئيس” في توقيت “مشبوه”

بإلقاء نظرة على جدول أعمال هذه الدورة، يزداد حجم الصدمة؛ فالمصادقة على “نفقات المقاطعات” أو “إعادة التداول في ميزانية متعثرة لعام 2026” ليست ملفات استعجالية تبرر إرباك المشهد العام للمدينة في يومها القاري الأبرز. هذا “البلوكاج” الذي يعيشه المجلس منذ سنوات، والذي تسبب في شلل تنموي أصاب مفاصل العاصمة العلمية، يحاول العمدة اليوم “تصديره” عبر دورة استثنائية “فاشلة التوقيت”، وكأنه يسعى لخلق ضجيج إداري يغطي به على فشله الذريع في تدبير ملفات النقل الحضري، والإنارة العمومية، وتهالك البنية التحتية التي حولت شوارع فاس إلى مستنقعات مع أولى قطرات المطر.

الإهانة السياسية لجهود “الدولة”

إن تصرف العمدة البقالي لا يسيء للمجلس الجماعي فحسب، بل يشكل “إهانة مبطنة” للمجهودات الجبارة التي تبذلها وزارة الداخلية والأمن الوطني والقوات المساعدة. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الجماعة هي “المضيف الأول” والمنسق الميداني للخدمات الجماعية المواكبة للمباراة، نجدها تختار الانزواء في صراعات المكاتب والمحاضر. من سمح بهذا العبث؟ وكيف يجرؤ مسؤول منتخب على مخالفة التوجيهات الرسمية التي تدعو إلى جعل “الكان” أولوية وطنية قصوى لا يعلو عليها صوت؟

رحيل البقالي.. مطلب يتجاوز السياسة إلى الكرامة

لقد أثبتت “دورة 23 دجنبر” أن عمدة فاس قد فقد البوصلة تماماً، وأصبح يشكل “عبئاً” على مسار التنمية في الجهة و يعاكس توجه مختلف الجهات المسؤولة و أن دخل في رد مبطن على الجهات المنظمة. إن سقوط العمدة في “المحضور” الوطني عبر غياب التعبئة الميدانية وانشغاله بحسابات ضيقة يوم المباراة، يستوجب تفعيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”. إن المطالبة باستقالة عبد السلام البقالي لم تعد ترفاً سياسياً، بل أصبحت ضرورة ملحة لحماية صورة مدينة فاس أمام الضيوف الأجانب والوفود الإفريقية، ففاس التاريخ والحضارة تستحق قيادة تعرف قيمة “تمثيل السيادة” لا قيادة تغرق في التفاصيل التافهة بينما العالم يراقب.

لقد وجهت “الدولة” بمختلف أجهزتها رسالة قوية اليوم بالملعب الكبير، مفادها أن المغرب قادر على قهر التحديات، بينما وجهت “الجماعة” رسالة مخجلة مفادها أن فاس تُدبر بذهنية “الدكاكين” لا بذهنية “الدول”. ولذلك، فإن رحيل هذا المجلس البئيس أصبح هو “الدورة الاستثنائية” الوحيدة التي ينتظرها الفاسيون بفارغ الصبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى