سد باب وندار بتاونات.. بين ضرورات الأمن المائي ومخاوف الساكنة من ضياع الأرض والذاكرة الجماعية
عاد مشروع سد باب وندار، المزمع إنجازه على وادي ورغة بإقليم تاونات، إلى واجهة النقاش من جديد، مثيراً حالة من القلق والترقب وسط عدد من الجماعات القروية المعنية بالمشروع، وفي مقدمتها بني وليد وبوعادل وبوهودة وباب الحيط، حيث تتخوف الساكنة من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تترتب عن إنجاز هذا الورش المائي الكبير، خاصة في ما يتعلق بمصير الدواوير والممتلكات والأراضي الفلاحية التي قد تتأثر ببحيرة السد المستقبلية.
ويأتي هذا الجدل في وقت يعيش فيه المغرب واحدة من أكثر المراحل حساسية على مستوى تدبير الموارد المائية، بعد سنوات متتالية من الجفاف وتراجع حقينة السدود وتزايد الطلب على الماء الصالح للشرب ومياه السقي، وهو ما جعل الدولة تراهن بقوة على سياسة السدود الكبرى والمتوسطة باعتبارها خياراً استراتيجياً لضمان الأمن المائي للأجيال المقبلة.
تاونات.. إقليم السدود والخزان المائي للشمال
ويعتبر إقليم تاونات من أهم الأقاليم المغربية من حيث المنشآت المائية، إذ يحتضن مجموعة من السدود الكبرى التي تلعب دوراً محورياً في تزويد مناطق واسعة بالمياه، من بينها سد الوحدة الذي يعد أكبر سد بالمغرب ومن بين أكبر السدود الإفريقية، إضافة إلى سد إدريس الأول وسد الساهلة وعدد من السدود التلية والمنشآت المائية التي ساهمت لعقود في دعم التزود بالماء وحماية الأراضي الفلاحية من الفيضانات.
وتشير معطيات قطاع الماء إلى أن حوض ورغة يعد من أهم الروافد المائية بالمملكة، ما يجعل أي مشروع جديد على هذا النهر يكتسي أهمية استراتيجية في تعزيز القدرات التخزينية للمياه ومواجهة آثار التغيرات المناخية التي أصبحت تهدد التوازنات المائية بالمغرب.
الماء أولوية وطنية لا نقاش حولها
ولا يختلف اثنان اليوم حول أهمية بناء السدود وتعبئة الموارد المائية، خاصة بعدما أظهرت السنوات الأخيرة حجم التحديات التي تواجهها المملكة نتيجة توالي مواسم الجفاف وتراجع التساقطات المطرية.
فالماء أصبح قضية أمن قومي بامتياز، والدولة مطالبة بتوفير احتياطات مائية كافية لضمان التزود بالماء الصالح للشرب، ودعم النشاط الفلاحي، وتأمين الحاجيات الصناعية والسياحية، وهو ما يفسر استمرار إطلاق مشاريع مائية كبرى في مختلف جهات المملكة.
كما أن مشروع سد باب وندار، وفق الرؤية المعلنة، يندرج ضمن هذه الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تعزيز البنية التحتية المائية ورفع القدرة التخزينية للمياه ومواجهة التقلبات المناخية مستقبلاً.
الساكنة تطالب بالوضوح قبل أي شيء
غير أن أهمية المشروع على المستوى الوطني لا تلغي حجم الانشغالات التي تعبر عنها الساكنة المحلية، والتي ترى أن نجاح أي مشروع تنموي كبير يجب أن يمر أولاً عبر التواصل والإنصات وإشراك المواطنين في مختلف مراحل الإعداد والدراسة.
وتؤكد فعاليات محلية أن التخوفات لا ترتبط بمبدأ بناء السد في حد ذاته، بل بالانعكاسات المحتملة على السكان والدواوير والأراضي الفلاحية والأنشطة الاقتصادية المحلية، خاصة في حال استدعت طبيعة المشروع عمليات نزع ملكية أو إعادة إسكان بعض الأسر.
وقد أدى هذا الوضع إلى تشكيل لجنة محلية تضم فاعلين جمعويين وممثلين عن الساكنة لمتابعة الملف، وسط مطالب بتوضيح جميع المعطيات التقنية والاجتماعية والبيئية المرتبطة بالمشروع، والكشف عن حجم المناطق التي قد تتأثر به بشكل مباشر أو غير مباشر.
كما يطالب السكان بضمانات واضحة بشأن التعويضات المحتملة، وكيفية حماية حقوق الملاك وذوي الحقوق، والحفاظ على الروابط الاجتماعية والإنسانية التي تشكلت عبر عقود طويلة داخل هذه المناطق القروية.
بين التنمية وحماية الإنسان
ويرى متابعون أن التحدي الحقيقي في مثل هذه المشاريع لا يكمن فقط في إنجاز البنية التحتية، بل في تحقيق التوازن بين المصلحة الوطنية العامة وحماية حقوق الساكنة المحلية.
فالتجارب الدولية الناجحة في بناء السدود الكبرى أظهرت أن إشراك المواطنين وتقديم معلومات دقيقة وشفافة وتوفير تعويضات عادلة وإيجاد حلول سكنية واقتصادية مناسبة، كلها عوامل تساهم في تحويل المشاريع الكبرى إلى فرص للتنمية بدل أن تكون مصدر توتر أو قلق اجتماعي.
فرصة لتنمية المنطقة إذا أحسن تدبيرها
ويرى عدد من المهتمين بالشأن التنموي أن مشروع سد باب وندار يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لتنمية المنطقة إذا تمت مواكبته ببرامج اجتماعية واقتصادية موازية، تشمل تحسين البنيات التحتية، وفك العزلة عن الدواوير، وتعزيز الخدمات الأساسية، وخلق فرص اقتصادية جديدة لفائدة الساكنة.
كما أن المنطقة تحتاج إلى رؤية متكاملة تجعل من المشروع رافعة للتنمية المحلية، وليس مجرد منشأة مائية، بما يضمن استفادة السكان من ثمار هذا الورش الاستراتيجي.
وفي انتظار صدور توضيحات رسمية أكثر تفصيلاً حول مختلف جوانب المشروع، يبقى المؤكد أن المغرب في حاجة إلى كل قطرة ماء لمواجهة تحديات المستقبل، كما أن الساكنة المتضررة أو المعنية بأي مشروع من هذا الحجم من حقها أن تتلقى أجوبة واضحة وضمانات كافية تحافظ على حقوقها وكرامتها واستقرارها الاجتماعي.
وبين ضرورات الأمن المائي الوطني ومطالب الساكنة المحلية، يظل الحوار والتواصل والشفافية السبيل الأمثل لبناء الثقة وضمان نجاح أحد المشاريع المائية المنتظرة بإقليم تاونات، الذي ظل على الدوام أحد أهم القلاع المائية بالمملكة.






