زلزال في المجالس المنتخبة: لجان تفتيش مركزية تفتح أرشيف “رخص التعمير الذاتية” وشبهات تضارب المصالح تلاحق رؤساء جماعات

في إطار تفعيل مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، باشرت لجان تفتيش تابعة للإدارات الترابية، بناءً على توجيهات صارمة من المصالح المركزية لوزارة الداخلية، أبحاثاً موسعة وتحقيقات دقيقة استهدفت أرشيف مجالس منتخبة بعدد من أقاليم المملكة. وتتمحور هذه التحقيقات حول رصد اختلالات خطيرة تتعلق بـ”رخص تعمير ذاتية” وأذونات تقسيم وتجزئة تحوم حولها شبهات استغلال النفوذ وتضارب المصالح.
كشفت التقارير الأولية عن معطيات وصفت بـ”الخطيرة”، تتعلق بتورط رؤساء جماعات في استصدار رخص تعمير لفائدتهم الشخصية أو لصالح نوابهم وأفراد من عائلاتهم. ومن أبرز الحالات التي تخضع حالياً للافتحاص:
-
قيام رؤساء جماعات بإصدار تراخيص لأنفسهم بتقسيم تجزئات عقارية، حيث يظهر المنتخب في الملف بصفة “الطالب” و”المستفيد” و”الموقع” على القرار في آن واحد.
-
منح رخص لتجزئات عقارية بأسماء عائلية متطابقة، مما يكرس شبهة “المنفعة المباشرة” ويضرب في عمق نزاهة المرفق العام.
امتدت التحقيقات لتشمل أساليب متطورة لاستغلال النفوذ، حيث رصدت تقارير لجان التفتيش قيام بعض الرؤساء بالضغط لتحويل مسار مشاريع البنية التحتية (إنارة، طرق، ربط بالماء والكهرباء) نحو مناطق اقتنوا فيها أوعية عقارية بشكل غير مباشر عبر أقارب أو شركات “واجهة”. كما سجلت التقارير تورط منتخبين في إرغام منعشين عقاريين على التنازل عن بقع أرضية في مواقع استراتيجية مقابل تسهيلات إدارية، واستغلال صهر أو أقارب لبناء وتسويق هذه البقع ضمن برامج السكن المدعم.
وثقت لجان التفتيش المركزية خروقات تقنية جسيمة تتعلق بـ:
-
شهادات السكن: تسليم شهادات مطابقة للسكن لبنايات لم تكتمل فيها الأشغال أو تضمنت إضافات غير مرخصة، وذلك بتواطؤ مع جهات تقنية وهندسية.
-
غياب المعاينة: منح رخص سكن دون إجراء المعاينات الميدانية الإلزامية أو تحرير محاضر التسلم المؤقت للتجزئات.
-
الابتزاز الإداري: ربط تسليم رخص البناء لفائدة المستثمرين بمطالبات غير قانونية، مما يعرقل الدينامية الاقتصادية ويخالف الدوريات الوزارية الصادرة في هذا الشأن.
تأتي هذه التحركات في سياق موجة من قرارات التوقيف والعزل التي طالت عدداً من المنتخبين بناءً على تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية. ومن المنتظر أن تفضي الأبحاث الجارية إلى تفعيل مقتضيات المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات 113.14، والتي تنص على عزل كل من ثبت تورطه في أفعال مخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، مع إمكانية إحالة الملفات ذات الطابع الجنائي على النيابة العامة المختصة.
تؤكد هذه الحملة التفتيشية الواسعة عزم المصالح المركزية على تطهير قطاع التعمير من الشوائب والقطع مع ممارسات “الريع الانتخابي”. ويظل الهدف الأسمى هو حماية الملك العام وضمان تكافؤ الفرص بين المواطنين والمستثمرين، بعيداً عن أي استغلال للمواقع السياسية لتحقيق مآرب شخصية ضيقة.






