زلازل “الصفقات العمومية”.. مفتشية المالية تطارد مليارات مهدورة وصيحات استغاثة من “تفصيل” المناقصات على مقاس “أصحاب الشكارة”

فتحت المفتشية العامة للمالية ملفات “ساخنة” تتعلق بتبديد مليارات الدراهم في صفقات عمومية شابتها خروقات قانونية جسيمة. وبدأت عناصر المفتشية سباقاً مع الزمن لتعقب مآل هذه الأموال، بعد سيل من الشكايات الواردة من مقاولات متضررة وهيئات رقابية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، تتهم مؤسسات ومقاولات عمومية بـ “تحريف” روح مرسوم الصفقات العمومية الجديد (2.22.431) لخدمة جهات بعينها.
ثغرة “العينات” والمادة 37: التفاف قانوني تحت المجهر
وضع مفتشو المالية دفاتر التحملات وعقود التوريد تحت مجهر التدقيق، حيث ركزت التحقيقات على شبهات تلاعب في المادة 37 من مرسوم الصفقات العمومية. وتفيد المعطيات بأن مسؤولي بعض الإدارات تعمدوا تقديم “تفسيرات ملتبسة” للمقتضيات القانونية، من خلال الاستغناء عن طلب “العينات” (Echantillons) والاكتفاء بصور وبيانات توضيحية فقط.
هذا الإجراء، الذي وُصف بـ “المشبوه”، بررته الإدارات المعنية بغياب الخبراء القادرين على فحص العينات، وهي الحجة التي دحضتها تقارير التفتيش، مؤكدة أن المرسوم يتيح الاستعانة بخبرات خارجية، وأن الهدف الحقيقي من هذا الاستغناء هو تمرير تجهيزات رديئة لا تطابق دفاتر التحملات، مما تسبب في إهدار مهول للمال العام.
صفقات “على المقاس” تفتح الباب للقطاع غير المهيكل
التحريات كشفت عن “هندسة” لطلبات عروض في قطاعات حساسة، لاسيما في الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين. حيث جرى دمج منتجات متنوعة (أثاث مدرسي، تجهيزات داخلية، وحواسيب) في صفقة واحدة لمزود واحد، وهو ما أدى إلى:
-
إقصاء المقاولات المهيكلة: التي تتخصص في مجالات محددة وتلتزم بالضوابط الضريبية والاجتماعية.
-
تمكين “أصحاب الشكارة”: وهم وسطاء يعتمدون على المناولة (Sous-traitance) والقطاع غير المهيكل، مما يحرم الدولة من الضرائب ويضرب جودة التجهيزات في مقتل.
-
تعطيل الأوراش: تسبب هؤلاء الوسطاء في توقف عدد كبير من المشاريع العمومية لعدم قدرتهم التقنية على التنفيذ.
المناولة وتعدد الوسطاء.. “سرطان” يهدد التنافسية الوطنية
ورصد مفتشو المالية استفادة شركات “حديثة التأسيس” وصغيرة الحجم من صفقات ضخمة عبر نظام المناولة وتعدد الوسطاء. هذا المسار لم يساهم فقط في خفض الجودة، بل أدى إلى تقليص نشاط المقاولات الوطنية الكبرى والمتخصصة، مما أعاق طموحات المغرب في تعزيز قدراته التصديرية نحو السوق الإفريقية بعلامات تجارية تنافسية.
رسالة حازمة للمراقبين الماليين
تتجه التحقيقات حالياً نحو تحديد المسؤوليات التقصيرية للمراقبين الماليين في المؤسسات التابعة للدولة، الذين سمحوا بتمرير صفقات تعتمد على “صور وبيانات” وتستبعد الملفات التقنية والشهادات المرجعية الصارمة. ومن المنتظر أن تسفر هذه التحقيقات عن قرارات “زلزالية” قد تطيح برؤوس مسؤولة عن “تشويه” المسطرة القانونية للصفقات العمومية وتحويلها إلى وسيلة للاغتناء السريع على حساب جودة المرفق العام.






