ديون تقارب 5600 مليار سنتيم وخسائر بالمليارات.. فاتورة المحروقات تكشف اختلالات المكتب الوطني للكهرباء والماء وتضع الحكومة أمام اختبار صعب

تواجه المؤسسة الوطنية المكلفة بتأمين التزود بالكهرباء والماء الصالح للشرب واحدة من أصعب مراحلها المالية، بعدما كشفت المعطيات الواردة في التقارير المصاحبة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 عن استمرار الاختلالات التي تثقل ميزانية المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، في ظل ارتفاع تكاليف إنتاج الطاقة، وتقلبات أسعار المحروقات في الأسواق الدولية، والتحولات العميقة التي يعرفها قطاع توزيع الكهرباء بالمغرب.
الأرقام الواردة في التقرير تكشف حجم التحدي؛ فقد بلغت ديون التمويل التي يتحملها المكتب 55.93 مليار درهم عند نهاية سنة 2025، أي ما يقارب 5593 مليار سنتيم، مقابل 54.69 مليار درهم سنة 2024. أما النتيجة الصافية فسجلت خسارة تناهز 6.963 مليارات درهم خلال 2025، بعدما كانت في حدود 7.286 مليارات درهم سنة 2024، في حين ارتفعت خسائر الاستغلال إلى 5.252 مليارات درهم، مقابل 4.246 مليارات درهم خلال السنة السابقة.
والأكثر إثارة للقلق أن توقعات إقفال سنة 2026 تشير إلى إمكانية ارتفاع الخسارة الصافية إلى حوالي 8.6 مليارات درهم، تحت تأثير ارتفاع فاتورة المحروقات وتزايد الأعباء المالية. وهي مؤشرات تطرح تساؤلات جدية حول قدرة المكتب على تحقيق التوازن بين استمرارية المرفق العمومي ومتطلبات الاستثمار، دون تحميل المالية العمومية أعباء إضافية متزايدة.
فاتورة الطاقة.. الحلقة الأكثر إيلاما في المعادلة المالية
لا يمكن فهم الأزمة المالية للمكتب بمعزل عن طبيعة النموذج الطاقي المغربي، الذي ما زال يعتمد، رغم التطور المتواصل للطاقات المتجددة، على مصادر تقليدية مكلفة في إنتاج جزء مهم من الكهرباء.
فارتفاع أسعار الوقود والمواد الأولية الطاقية في الأسواق الدولية ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، خصوصا عندما لا تتمكن التعريفة المطبقة على المستهلك من استيعاب الزيادة الكاملة في التكاليف.
وفي هذا السياق، تحملت الدولة فاتورة مهمة للحفاظ على استقرار أسعار الكهرباء وحماية القدرة الشرائية للأسر والمقاولات، إذ بلغ مجموع الدعم المخصص للمكتب 17 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، بهدف امتصاص ارتفاع تكاليف المواد الأولية الطاقية وتفادي انتقال أثرها بصورة مباشرة إلى المستهلك النهائي.
لكن هذا التدخل، على أهميته الاجتماعية، يكشف في الوقت نفسه حجم الضغط الذي تمارسه كلفة الطاقة على ميزانية الدولة، ويطرح سؤالا حول مدى إمكانية استمرار الاعتماد على الدعم العمومي لمعالجة اختلالات ترتبط ببنية الإنتاج والتكاليف ونموذج التدبير.
انسحاب من التوزيع وتراجع رقم المعاملات.. تحول هيكلي يزيد تعقيد المرحلة
ومن بين العوامل التي ينبغي استحضارها في قراءة الوضعية المالية للمكتب، التحول الذي عرفه نشاطه بعد نقل جزء من أنشطة توزيع الكهرباء والماء إلى الشركات الجهوية متعددة الخدمات.
فقد تراجع رقم معاملات المكتب خلال 2025 إلى 41.466 مليار درهم، بانخفاض قدره 2.5 في المائة مقارنة بسنة 2024، في سياق تزامن فيه الانسحاب التدريجي من نشاط التوزيع مع تقلص هوامش الربح على مبيعات الكهرباء.
وهنا تكمن إحدى الإشكاليات الأساسية: المكتب مطالب بمواصلة الاستثمار في إنتاج الكهرباء ونقلها وتأمين الماء الصالح للشرب، في الوقت الذي يتغير فيه نطاق أنشطته ومصادر مداخيله، وتظل التكاليف المرتبطة بالإنتاج والتمويل والاستثمارات الثقيلة قائمة.
ولا يعني ذلك أن نقل التوزيع إلى الشركات الجهوية هو وحده سبب الاختلال المالي، فالأزمة لها جذور مرتبطة بتكاليف الطاقة والاستثمارات وتراكم الالتزامات المالية، لكن التحول المؤسساتي يفرض إعادة بناء نموذج اقتصادي واضح يحدد المسؤوليات ومصادر التمويل ومجالات التدخل.
219.1 مليار درهم للاستثمار.. رهان كبير في مواجهة الاختلالات
ورغم هذه الصعوبات، يراهن المكتب على مخطط تجهيز طموح للفترة 2026-2030، بغلاف إجمالي يصل إلى 219.1 مليار درهم، موزع بين 177 مليار درهم لقطاع الكهرباء و42.1 مليار درهم لقطاع الماء الصالح للشرب.
ويستهدف البرنامج تطوير قدرات إنتاجية إضافية من الطاقات المتجددة، تصل وفق المعطيات المعلنة إلى 14.34 غيغاواط، إلى جانب تعزيز قدرات التخزين والمرونة وتوسيع شبكة نقل الكهرباء، بما يسمح بمواكبة الطلب المتزايد وتحسين أمن التزود بالطاقة.
كما يتضمن البرنامج مضاعفة قدرة الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا ثلاث مرات، مقارنة بالقدرة الحالية البالغة 700 ميغاواط، فضلا عن تطوير الربط الكهربائي مع موريتانيا.
أما في قطاع الماء، فيندرج الاستثمار ضمن جهود تأمين التزود بالماء الصالح للشرب، ومواكبة المشاريع الكبرى لتحلية مياه البحر، وتعزيز البنيات التحتية المائية في مواجهة توالي سنوات الجفاف والضغط المتزايد على الموارد التقليدية.
ومن الأرقام المهمة أيضا أن 72 في المائة من الغلاف الاستثماري المرتقب ينتظر أن يتم تمويله بمساهمة القطاع الخاص، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو تعبئة موارد إضافية وتخفيف العبء المباشر عن المالية العمومية.
إعادة هيكلة المكتب.. هل تكفي التحولات المؤسساتية لإنقاذ التوازن المالي؟
في موازاة ذلك، يجري العمل على إعادة تحديد الموقع الاستراتيجي للمكتب والتحضير لتحويله إلى شركة مساهمة، في إطار إعادة هيكلة أوسع تشمل علاقته بالدولة والوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة والوكالة المغربية للطاقة المستدامة.
كما تتجه هذه العملية إلى إعادة تنظيم أدوار المكتب في إنتاج الكهرباء وشرائها ونقلها، مع نقل تدريجي للأصول المرتبطة ببعض مشاريع الطاقة الشمسية والريحية إلى الوكالة المغربية للطاقة المستدامة.
غير أن تحويل المكتب إلى شركة مساهمة لا ينبغي أن يكون مجرد تغيير في الشكل القانوني، بل يجب أن يرتبط بإصلاح حقيقي للحكامة، وتحسين المردودية، وضبط تكاليف الإنتاج، وتطوير آليات المراقبة والتدبير المالي، مع الحفاظ على دوره الاستراتيجي في تأمين الخدمات الأساسية للمواطنين.
الحكومة أمام مسؤولية حماية المرفق العمومي والقدرة الشرائية
إن القضية لا تتعلق بمؤسسة عمومية تعاني من أرقام مالية سلبية فحسب، بل بمرفق استراتيجي يرتبط مباشرة بالحياة اليومية للمغاربة وبالأمن الطاقي والمائي للمملكة.
فأي اختلال في توازناته قد ينعكس على قدرة الاستثمار في الشبكات والبنيات التحتية، وعلى تكلفة إنتاج الكهرباء والماء، وعلى حجم الدعم الذي تضطر الدولة إلى تخصيصه للحفاظ على استقرار الأسعار.
ومن هنا، فإن الحكومة مطالبة بتقديم رؤية واضحة بشأن مستقبل المكتب، ومصادر تمويل استثماراته، وكيفية معالجة مديونيته، وضمان ألا تتحول إعادة الهيكلة إلى مجرد نقل للاختلالات من مؤسسة إلى أخرى.
كما أن الانتقال الطاقي لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم المشاريع المعلنة أو القدرات الإنتاجية المستهدفة، بل بمدى قدرتها على تقليص التبعية للمحروقات وخفض كلفة الإنتاج وتحقيق الأمن الطاقي على المدى الطويل.
إن المغرب أمام معادلة دقيقة: استثمارات ضخمة لا غنى عنها، ومؤسسة عمومية تواجه خسائر متراكمة، وميزانية دولة مطالبة بمواصلة الدعم، ومواطن ينتظر خدمة عمومية مستقرة بأسعار لا تستنزف قدرته الشرائية.
والسؤال الذي تفرضه هذه الأرقام ليس فقط كيف سيخرج المكتب الوطني للكهرباء والماء من أزمته، بل كيف يمكن ضمان ألا يدفع المواطن مستقبلا ثمن اختلالات نموذج اقتصادي لم يعد قادرا على تحمل تقلبات الأسواق الدولية بالوسائل التقليدية نفسها.
فالمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإعلان مخططات استثمارية بمئات المليارات، وإنما بناء مؤسسة قوية ماليا، فعالة في تدبيرها، قادرة على حماية الأمن الطاقي والمائي للمملكة، دون أن تتحول فاتورة المحروقات إلى عبء دائم على الدولة والمواطن.






