سياسة

حكومة أخنوش والمجلس الوطني للصحافة: مشروع قانون يجهز على حرية التعبير ويشرعن الهيمنة والتسييس

مرة أخرى تكشف الأوراق الرسمية أن الحكومة ماضية في مسار العبث والارتجال، بعدما فضح المجلس الوطني لحقوق الإنسان أعطاباً خطيرة في مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، مشروع لا يليق بدستور البلاد ولا بمستوى النقاش الديمقراطي، ويكرّس للتسييس والانحياز وتضارب المصالح، بدل أن يكون آلية لحماية حرية التعبير والدفاع عن الصحافيين.

فالقانون الذي جاءت به الحكومة أشبه بمنتوج مشوه، يخلو حتى من أبجديات الصياغة التشريعية، إذ غابت عنه الديباجة التي توضح الغايات وتؤطر التأويل، في خرق فاضح لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وكأن السلطة التنفيذية تريد ترك الباب مفتوحاً أمام كل أشكال التأويل الفضفاض والهيمنة على مهنة الصحافة.

الأخطر أن النص لا ينص صراحة على حرية التعبير وحق الصحافي في الوصول إلى المعلومة الموجودة بحوزة الحكومة، بل يفتح المجال لإجراءات تأديبية عشوائية قد تسلب الصحافي أبسط حقوقه، بآليات تفتقد إلى الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة، وتدمج سلطة الاتهام والتحقيق والبت داخل لجنة واحدة، في صورة مكشوفة عن قضاء استثنائي موازٍ يفتك بالصحافيين.

أما المجلس الوطني للصحافة، الذي يُفترض أن يكون هيئة مستقلة، فقد تحوّل بفعل هذه الهندسة القانونية المعيبة إلى ساحة لتصفية الحسابات وتكريس هيمنة الناشرين على حساب الصحافيين والرأي العام. إذ يمنح المشروع الأغلبية لطرف واحد، ويقصي تمثيلية الجمهور، ما يفتح الباب واسعاً أمام تضارب المصالح ويحول المجلس إلى أداة طيّعة بيد لوبيات المال والإشهار، بدل أن يكون حصناً لحماية أخلاقيات المهنة وحرية التعبير.

وبدل أن تستجيب الحكومة لمتطلبات العصر الرقمي وتدمج الأشكال الإعلامية الجديدة مثل البودكاست والمدونات وصحافة البيانات، فضّلت أن تدفن رأسها في الرمال، لتظل حبيسة منطق متجاوز، لا علاقة له بواقع الإعلام الحديث ولا بتطلعات المجتمع.

إن ما نراه اليوم هو مشروع قانون يسعى إلى تطويع الصحافة وتدجينها، وتحويل المجلس الوطني للصحافة إلى مجرد أداة للرقابة والتكميم، تحت غطاء قانوني مليء بالثغرات والاختلالات. وفي النهاية، الحكومة هي المسؤولة الأولى عن هذه المهزلة، والمجلس الوطني للصحافة الذي صمت طويلاً ولم يدافع عن استقلاليته صار شريكاً في هذا الانحدار، ما يجعل حرية التعبير في المغرب مهددة أكثر من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى