تقرير: نهاية النضال و التأطير في الأحزاب و بروز تمظهرات الإستمالة و شراء الفقراء
إن المتتبع للشأن السياسي بالمغرب حتما سيلاحظ تدني مستوى الأداء الحزبي في السنوات الأخيرة رغم أن الدستور نص في فصله السابع على صلاحيات مهمة للأحزاب السياسية، من شأنها تجويد العمل الحزبي والدفع به قدما من أجل تحقيق مصلحة البلاد والعباد، وذلك راجع إلى خروج القيادات الحزبية عن سكة تأطير القواعد بما من شأنه أن يساير الحياة العامة وتحقيق البرامج التي تصدح بها الأحزاب بمختلف إيديولوجياتها في كل محطة انتخابية.
تشهد الساحة السياسية حركية غير عادية لدى مختلف الأحزاب.. ففي حين بدأت بعض الأحزاب في رص الصفوف ومراجعة ذاتها من أجل انطلاقة أخرى نحو الاستحقاقات القادمة، سقط بعضها الآخر في كبوات تسييرية ميعت المشهد السياسي، وقد طغت الصراعات على المنتخبين من نفس الحزب وبين منتخبين من أحزاب مختلفة، آخر هذه المشاهد ما عاشه حزب التجمع الوطني للأحرار مؤخرا من خلال ما عرفه مسار التصويت على إقالة عمدة الرباط السابقة أسماء أغلالو وتبعا لذلك التصويت على إقالة رئيس مقاطعة حسان إدريس الرازي، زميلها في الحزب، وكان ذلك أحد السيناريوهات التي تنم عن هشاشة الوضع الحزبي بالمغرب، فحتى حزب رئيس الحكومة بكل قوته وفعالياته البورجوازية القادرين على التحكم في السياسة العامة، إلا أن الأمور تنفلت من بين أيديهم عندما يتعلق الأمر بالمصالح ولا شيء سوى الحرب على الكراسي والمصالح دون استحضار المصلحة العامة للمواطن، الذي ينجر وراء الشعارات الحزبية التي تحمل في طياتها سياسات اجتماعية تعطي صورة عن نموذج للتسيير الحزبي الناجح، وما هي إلا تكريس للفوارق.
وليس حزب الأحرار وحده الذي أصيبت صفوفه بأعطاب تسييرية، فباستثناء حزب الاتحاد الاشتراكي الذي ظل يسير على خط التوازي، وظل يبصم على حضوره في الساحة السياسية بالإيجاب رغم عدم مشاركته في الحكومة، وذلك من خلال تحركات الحزب مؤخرا وشبيبته، كما احتضانه لمؤتمر الأممية الاشتراكية، مما جعل من الحزب مؤسسة ناجحة في مسارها التأطيري لقواعد مهمة من المناضلين والمنتسبين للحزب، فإن أحزابا كبرى ضلت طريقها بعدما كانت بالأمس القريب يضرب لها ألف حساب، وتعثر نشاطها السياسي وباتت وضعيتها مقلقة في أفق الاستحقاقات القادمة، ومنها حزب الاتحاد الدستوري، هذا الحزب المرجعي المثخن بالقيادات التي لها وزنها عبر تاريخ الأحزاب المغربية منذ الاستقلال، مما يطرح التساؤل عن هذا التراجع المخيف لحزب المعطي بوعبيد ورفيقه في جعل الحزب قوة مرجعية في الساحة السياسية، عبد اللطيف السملالي، دون أن ننسى عبد الله الفردوس، وغيرهم، رغم وجود أسماء وازنة في قياداته الآن..
وفي إطار لملمة صفوف الأحزاب، التي تعترف بخطورة الوضعية الراهنة والمسار المتذبذب لبعضها، وفي خطوة غير مسبوقة، اعتبرها البعض إيجابية وانتقدها البعض الآخر، وقع الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، وإسحاق شارية الأمين العام للحزب المغربي الحر، وخالد البقالي الأمين العام لحزب الديمقراطي الوطني، مؤخرا، على ما سموه “الأرضية السياسية للتكتل الشعبي كبديل سياسي لجميع المغاربة من أجل كل المغاربة”، وذلك اعتبارا لأن
“الساحة السياسية ببلادنا تواجه انحباسا غير مسبوق، يطغى عليه تراجع ملموس ومتفاقم في المهام التأطيرية والتمثيلية لمختلف الوسائط المؤسساتية التقليدية، ويتجلى ذلك بوضوح في الضعف البنيوي والعجز الوظيفي القائم في أداء وأدوار الوساطة السياسية والنقابية والجمعوية بتجلياتها المؤسساتية على مستوى السلطة التنفيذية، وعلى مستوى المؤسسات المنتخبة وطنيا وجهويا وإقليميا، وقد فسح هذا الوضع المجال لتنامي القطاع السياسي غير المهيكل، وتفشي التأطير العشوائي، وخضوع المجتمع لصناعة آليات التأطير الذاتي والافتراضي، وتوسع مساحات البناء السياسي العشوائي خارج مغرب المؤسسات وحولها” كما جاء في الأرضية التي على أساسها تم توقيع ذلك الاتفاق بين المكونات الحزبية المذكورة، من أجل الخروج من وضعية الجمود التي تعيشها الأحزاب في السنين الأخيرة.
تؤسس الأحزاب وتمارس أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون.
يجب أن يكون تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديمقراطية.
فالأداء السياسي ليس إشكالا ظرفيا له ارتباط فقط بالأحزاب الحالية، بل إن الأمر يتعلق بإشكالية بنيوية تكرسها محدودية الفعل الحزبي وانعكاساته الإيجابية على المواطنين، ولذلك يجب التمييز بين العيش لأجل السياسة والعيش من السياسة، هذا المبدأ هو الذي يجعل منتسبين إلى الأحزاب يجرون وراء المنافع الذاتية وليس المنفعة العامة، وهو ما يفسر أن السباق المحموم نحو الترشح في الانتخابات أو قبول مناصب سياسية لا يكون دائما بهدف المصلحة العامة، وإنما من أجل النفوذ والتموقع داخل الأحزاب الكبرى من أجل أن تكون ستارا للتغطية على الممارسات الغير قانونية، والدليل على ذلك منتخبين كبار باسم أحزاب لها مكانتها ولها مناضلون لهم وزنهم السياسي، يتابعون حاليا بتهم ثقيلة، وهو ما يطرح سؤال العلاقة بين الأخلاق والسياسة في ظل الاختباء داخل أحزاب من أجل تصريف أعمال غير قانونية تمس بصورة البلاد وتلتهم حقوق المواطن..
وتطبع الممارسة السياسية في المغرب عدة تناقضات بنيوية، في مقدمتها طبيعة الفاعل السياسي ومؤهلاته وقدراته الشخصية المحددة لممارسته للفعل الحزبي، ذلك أن السياسة أصبحت مهنة من لا مهنة له – وهنا لا نعمم – وهذا ما فتح باب الريع على مصراعيه في سباق محموم نحو المصالح الشخصية، مما يطرح سؤال القيم الأخلاقية في قيادة المناصب والدفاع عن مصالح المواطنين، فمن يتمتع بالريع تتناقض ممارسته السياسية مع الأهداف التي وجدت من أجلها الأحزاب.. فقد أظهرت تجربة التسيير ببعض الجهات والمجالس المنتخبة أن المنتخب هو فاعل ارتزاقي لا تهمه مشاكل الساكنة بقدر ما يهمه التهام المال العام، وهو ما جعل الشأن المحلي يشكل موردا ريعيا وموضوعا لمزايدات سياسوية بين منتخبين يؤمنون فقط بالعيش أو الارتزاق من السياسة، لأنها تعتبر أداة وفي نفس الوقت مصدرا للاغتناء السريع.
وتسائل أزمة السياسة بالمغرب المؤسسات الحزبية، التي لازال رصيدها التاريخي يشكل حاجزا أمام تحقيق الإصلاحات الدستورية والسياسية في عمق بنياتها والتسريع بدمقرطتها، ولجعل قطيعة مع ما يمكن تسميتها بـ”الممارسة الارتزاقية للسياسة”، يتطلب ذلك إعادة النظر في الشروط المحددة لممارسة السياسة وإعادة تأهيل البنيات الحزبية، ثم تفعيل ميثاق أخلاقي يكون ملزما للفاعلين السياسيين، وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
تحرير: جميلة حلبي






