تاونات تختنق.. زراعة “الكيف المستورد” تُجفّف العيون و الوزير بركة يتهم ويزلّ لسانه

في ظل اشتداد أزمة العطش بإقليم تاونات، خرج أمس الثلاثاء (8 يونيو 2025) وزير التجهيز والماء نزار بركة، خلال زيارة رسمية وحزبية ، بتصريحات جريئة حمّل فيها مسؤولية استنزاف الفرشة المائية إلى زراعة القنب الهندي، وبالخصوص الأصناف المستوردة التي باتت تنتشر بشكل واسع منذ دخول وكالة تنمية القنب الهندي على الخط و التي عملت على الترخيص لتوسعة الأراضي القابلة للزراعة بشكل قانوني و لكن دون إستحضار مشكل السقي و المواكبة من أجل إنتاج مرتفع.
الوزير، وخلال كلمته في تجمع خطابي محلي، لم يتوانَ عن التأكيد بأن بعض الممارسات الزراعية الجديدة “أهلكت الأرض وأتلفت الماء”، في إشارة إلى مشاتل القنب الهندي المستوردة التي وصفها مختصون بأنها تستهلك كميات مهولة من المياه، خلافًا للكيف المغربي البلدي الذي كان لعقود زراعة شبه جافة لا تتطلب سقيًا إلا في حدود ضيقة.
الزراعة التقليدية للكيف في جبال تاونات والشمال كانت تقوم على أصناف محلية تتحمل الجفاف وتتكيف مع المناخ، لكن منذ إحداث “وكالة تنمية القنب الهندي”، التي يترأسها العامل محمد الكروج، تم تشجيع الفلاحين على استخدام مشاتل مستوردة هجينة، قيل إنها أكثر إنتاجًا وربحًا، لكنها أصبحت عبئًا مائيًا حقيقيًا على المنطقة باتت تهلك الحرث و الشرب.
وتشير شهادات فلاحين إلى أن الزراعة الجديدة تحتاج إلى سقي يومي متواصل، وهو ما دفع كثيرين إلى حفر آبار عشوائية أو استعمال مياه الشرب، ما سرّع من تدهور الفرشة المائية التي كانت أصلاً في حالة هشّة.
كلمة الوزير بركة لم تمر دون جدل، فقد زلّ لسانه خلال الحديث عن أخطار الفيضانات قائلاً إن “الفيضانات تحمي المواطنين وتحوي الممتلكات” “وهي كلمة بذيئة و مخلة بالأداب عند المجتمع المغربي”، بدل أن يقول “تحمي”، ما خلق موجة سخرية في مواقع التواصل، واعتبره البعض انعكاسًا للارتباك الذي تعيشه الحكومة في مواجهة الأزمة.
ورغم هذه الزلة، لم تُخفِ الكلمة وجود توتر واضح في خطاب الوزير، الذي حاول تهدئة الأوضاع عبر الإعلان عن عدد من المشاريع، أبرزها توقيع اتفاقية لإنجاز الطريق الدائري لمدينة تاونات، بشراكة بين وزارة التجهيز والماء، وجهة فاس مكناس، وعمالة تاونات، وجماعتي تاونات وأرغيوة،و كذلك قيامه بزيارة تفقدية لسد الرتبة الذي تجري فيه الأشغال.
لكن هذه المشاريع، التي تهم البنيات الطرقية بالدرجة الأولى و التي تعرف تأخرا و تعثرا في أشغال تثينة 86 طلم الرابطة بين تاونات وفاس و التي إنطلقت لاكثر من ثلاث سنوات و لم ينجز منها الإ القليل، لم ترقَ إلى تطلعات الساكنة، التي كانت تنتظر أولويات أكثر إلحاحًا، خاصة مشاريع الماء الصالح للشرب، وحماية مصادر المياه من الاستنزاف.
مع بداية هذا الصيف، شهدت عدة دواوير بتاونات احتجاجات متفرقة بسبب أزمة العطش، وغياب الماء في صنابير السكان، في وقت يتواصل فيه ضخ المياه لري المشاتل المستوردة للقنب الهندي. هذا التناقض أجّج الغضب الشعبي، ودفع عددًا من المنتخبين المحليين إلى تحميل “وكالة تنمية القنب الهندي” مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.
واعتبروا أن الوكالة خضعت لمنطق التسويق الاستثماري بدل التخطيط البيئي، حيث تم السماح بزراعات مكثفة و أراضي شاسعة دون دراسة التأثير الحقيقي على الموارد الطبيعية. كما أن تأخر مشاريع الماء، والتراخي في تتبع أوراش الربط بالشبكة، ساهم في انفجار الوضع.
تصريحات بركة، رغم أنها جاءت في سياق سياسي، فإنها حملت رسائل واضحة إلى مسؤولي الوكالة والفلاحين على السواء، وتفتح الباب أمام مراجعة محتملة لتوجهات الدولة في ملف “تقنين الكيف”. فحين يقول الوزير إن “الزراعة الجديدة تهلك الحرث والماء”، فإنه يوجّه إنذارًا مبطنًا للجهات التي تُشرف على هذا الورش الحساس.
فهل تكون هذه بداية مراجعة جادة لاختيارات فُرضت على واقع هش؟وهل تتحرك الحكومة لإنقاذ ما تبقى من مياه تاونات قبل فوات الأوان؟أسئلة بات يطرحها الشارع، وسط عطشٍ لا يرويه سوى الوضوح، والمسؤولية، والتنمية الحقيقية.






