سياسة

برلمان على إيقاع التوتر الانتخابي فوضى الدورة الربيعية تكشف سباقاً محموماً لترميم الصورة السياسية واستمالة الناخبين

شهدت الجلسة الافتتاحية للدورة الربيعية الأخيرة من عمر مجلس النواب، المنعقدة أمس الإثنين 13 أبريل، أجواءً مشحونة عكست بوضوح طبيعة المرحلة السياسية التي تمر بها البلاد، حيث لم تعد النقاشات البرلمانية محكومة فقط بمنطق التشريع والرقابة، بل أصبحت متأثرة بشكل كبير بحسابات انتخابية ضيقة تفرض إيقاعها مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية والتشريعية.

هذه الدورة، التي يُفترض أن تكون محطة لتقييم الحصيلة الحكومية ومساءلة السياسات العمومية الكبرى، تحولت إلى فضاء سجالي اختلطت فيه الاعتبارات المؤسساتية بالمزايدات السياسية، في مشهد كشف عن اندفاع عدد من النواب نحو استغلال المنبر البرلماني لطرح قضايا محلية مرتبطة بدوائرهم الانتخابية، في محاولة واضحة لاستعادة حضور سياسي تآكل خلال السنوات الماضية، وترميم صورة انتخابية أصبحت على المحك بعد خمس سنوات من الغياب النسبي عن هموم الناخبين.

لقد برز خلال هذه الجلسة توجه لافت لدى بعض البرلمانيين نحو التركيز على مشاريع محلية دقيقة، من قبيل بناء سدود أو إصلاح منشآت مائية داخل جماعات محددة، وهي قضايا، رغم مشروعيتها على المستوى التمثيلي، إلا أن طرحها داخل جلسة عمومية مخصصة للأسئلة ذات الطابع الوطني أو القطاعي العام، أثار جدلاً قانونياً ومؤسساتياً حاداً، باعتبارها خروجاً عن مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب، الذي يؤطر بشكل واضح طبيعة التدخلات وحدودها.

هذا الانزلاق نحو “محلية النقاش” لم يكن مجرد تفصيل تقني، بل يعكس تحوّلاً أعمق في سلوك جزء من النخبة البرلمانية، التي بدت وكأنها دخلت مبكراً في حملة انتخابية غير معلنة، تسعى من خلالها إلى استمالة الكتلة الناخبة عبر خطاب خدماتي مباشر، يعيد طرح مطالب كانت غائبة طيلة الولاية، في مفارقة تطرح تساؤلات جدية حول جدوى التمثيل البرلماني واستمراريته خارج منطق المواسم الانتخابية.

في خضم هذا الوضع، شهدت الجلسة توتراً واضحاً بين رئاسة المجلس وعدد من النواب، بعدما تم التشديد على ضرورة احترام النظام الداخلي وعدم تحويل المؤسسة التشريعية إلى منصة لطرح قضايا محلية خارج الإطار المحدد لها، وهو ما قوبل بردود متباينة من طرف بعض البرلمانيين الذين اعتبروا أن إثارة هذه القضايا تندرج ضمن صميم تمثيلهم لمصالح دوائرهم، الأمر الذي عمّق حالة السجال داخل القاعة وأضفى على الجلسة طابعاً فوضوياً غير مسبوق.

ولا يمكن فصل ما جرى داخل البرلمان عن السياق العام الذي تعيشه الحكومة المغربية، التي تدخل بدورها الأشهر الأخيرة من ولايتها في ظل حصيلة مثقلة بالانتقادات وتحديات اجتماعية واقتصادية متراكمة، وهو ما يدفع بعض مكونات الأغلبية والمعارضة على حد سواء إلى إعادة تموقعها سياسياً، عبر خطاب قريب من نبض الشارع، حتى وإن جاء ذلك على حساب الانضباط المؤسسي وجودة النقاش التشريعي.

إن ما كشفت عنه هذه الجلسة يتجاوز حدود التوتر الظرفي، ليعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الممارسة البرلمانية في لحظات نهاية الولايات، حيث يتحول جزء من الفاعلين السياسيين من صانعي سياسات عمومية إلى فاعلين انتخابيين يسعون إلى استعادة الثقة المفقودة، ولو عبر توظيف آليات العمل البرلماني خارج سياقها الطبيعي.

وفي المحصلة، تبدو الدورة الربيعية الأخيرة وكأنها اختبار حقيقي لمصداقية المؤسسة التشريعية، بين منطق الالتزام بالقواعد المؤطرة للعمل البرلماني، ومنطق التوظيف الانتخابي الذي يختزل النقاش في مطالب محلية ظرفية، في وقت يفترض فيه أن تكون هذه المرحلة مناسبة لترسيخ النقاش الوطني الرصين وتقديم حصيلة واضحة للمواطنين، بدل الانزلاق نحو فوضى سياسية تعكس أزمة ثقة متنامية بين الناخبين وممثليهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى