النفط فوق صفيح ساخن.. ترامب يؤجل الخيار العسكري ضد إيران ومضيق هرمز يبقى ورقة ضغط عالمية

أسعار النفط تتراجع إلى نحو 102 دولار للبرميل يوم 9 أكتوبر.. مفاوضات واشنطن وطهران وتصعيد الملاحة يضعان أمن الطاقة أمام اختبار جديد
تتأرجح أسواق الطاقة العالمية بين إشارات التهدئة السياسية ومخاطر التصعيد العسكري، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة لن تشن هجوماً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نونبر المقبل، بالتزامن مع حديثه عن وجود مناقشات وصفها بالمثمرة مع طهران لإنهاء الحرب التي بدأت في فبراير الماضي، بينما تواصل المخاطر الأمنية في مضيق هرمز والبحر الأحمر الضغط على حركة نقل النفط والوقود.
وجاءت أحدث إشارة من الأسواق صباح الجمعة 9 أكتوبر، عندما تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.68 دولار، أي بنحو 1.61 في المائة، لتصل إلى 102.60 دولار للبرميل، فيما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 1.31 دولار إلى 90.18 دولار. غير أن هذا التراجع اليومي لا يعني انتهاء أزمة الإمدادات، إذ ظل برنت متجهاً نحو تحقيق مكاسب أسبوعية بعد ارتفاعه الحاد في الجلسة السابقة.
وتكشف هذه التحركات عن سوق لا تتحدد أسعارها بحجم الإنتاج والاستهلاك فقط، بل تتأثر أيضاً بتوقعات المتعاملين بشأن الحرب، واحتمالات التوصل إلى اتفاق سياسي، ومدى قدرة شركات النقل البحري على مواصلة عبور الممرات الاستراتيجية دون التعرض للهجمات.
ترامب يلوح بالتهدئة.. لكن الحرب لم تنته
قال ترامب، يوم الخميس 8 أكتوبر، إن واشنطن وطهران تخوضان محادثات وصفها بالمثمرة، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات الثالث من نونبر. ويأتي هذا التصريح في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثير الحرب على المزاج الانتخابي، بينما يسعى الجمهوريون إلى الحفاظ على أغلبيتهم البرلمانية الضيقة.
لكن الإعلان عن تأجيل الهجوم لا يساوي إعلان وقف إطلاق النار، كما أن الحديث عن تقدم في المحادثات لا يعني أن الطرفين توصلا إلى اتفاق بشأن القضايا الأساسية. فما زالت ملفات البرنامج النووي الإيراني، وتخصيب اليورانيوم، والعقوبات الاقتصادية، وأمن الملاحة، وشروط إنهاء الحرب تمثل نقاط خلاف جوهرية.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن إيران تدرس مقترحاً أمريكياً يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، فيما سبق لترامب أن رفض عرضاً إيرانياً سابقاً. ولا تزال التفاصيل النهائية للمقترحات المتبادلة وشروط تنفيذها غير محسومة، وهو ما يجعل الحديث عن انفراج وشيك سابقاً لأوانه.
وتبرز هنا المفارقة الأساسية في الموقف الأمريكي: الإدارة تلوح بخفض التصعيد العسكري قبل الانتخابات، لكنها تواصل في الوقت نفسه الضغط الاقتصادي على إيران، بما في ذلك فرض عقوبات جديدة تستهدف شبكات مرتبطة بنقل النفط الإيراني. وبهذا، لا تختفي المواجهة، بل يمكن أن تنتقل من مرحلة التهديد المباشر إلى مزيج من الضغط الاقتصادي والمساومة الدبلوماسية والصراع على حركة الملاحة.
مضيق هرمز.. عنق الزجاجة الذي يحدد اتجاهات السوق
تنبع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز من موقعه على الطريق البحري الذي يربط منتجي الخليج بالأسواق العالمية، إذ كانت التدفقات العابرة منه قبل الحرب تمثل نحو خُمس تجارة النفط والوقود العالمية المنقولة بحراً، وفق بيانات أوردتها رويترز.
وفي تطور مقلق، أشار تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» يوم 8 أكتوبر إلى تعرض تسع سفن على الأقل لهجمات خلال الأسبوع السابق، مع انخفاض حاد في حركة النفط عبر المضيق وتوقف شحنات الوقود المكرر في إحدى الفترات التي تناولها التقرير. وقد ساهمت هذه التطورات في دفع أسعار برنت إلى نحو 105 دولارات للبرميل خلال جلسة الخميس.
وتعني هذه المعطيات أن المخاطر لا تتعلق فقط بإمكانية تدمير منشآت الإنتاج، بل أيضاً بقدرة ناقلات النفط على الوصول إلى وجهاتها، وكلفة التأمين البحري، وتوافر السفن، والوقت اللازم لنقل الشحنات. فقد يستمر إنتاج النفط في بعض الدول، لكن تعذر نقله عبر الممرات البحرية قد يؤدي إلى نقص المعروض الفعلي في الأسواق المستهلكة.
وتحاول الولايات المتحدة توسيع عملياتها البحرية لحماية السفن وتأمين العبور، غير أن هذه الإجراءات لا تضمن منع جميع الهجمات، كما أنها قد تزيد من الاحتكاك العسكري إذا استمر تبادل التهديدات. وفي المقابل، تستخدم طهران قدرتها على التأثير في الملاحة كورقة ضغط في مواجهة واشنطن، بما يجعل أمن المضيق جزءاً مركزياً من أي تسوية محتملة.
لذلك، فإن المؤشر الأهم في الأيام المقبلة لن يكون مجرد صدور تصريحات سياسية متفائلة، بل حجم حركة الناقلات فعلياً، وعدد الحوادث الأمنية، ومدى استعادة تدفقات النفط والوقود انتظامها.
لماذا تراجعت الأسعار الجمعة رغم استمرار المخاطر؟
فسرت رويترز الانخفاض المسجل يوم الجمعة بعودة بعض التفاؤل بشأن المحادثات الأمريكية الإيرانية، إلى جانب توقعات استئناف الصين صادرات المنتجات النفطية المكررة بعد توقف قصير خلال عطلة الأسبوع الذهبي.
لكن السوق تواجه في الوقت نفسه عوامل مضادة، أبرزها استمرار التهديدات للملاحة في الخليج والبحر الأحمر، والعقوبات الأمريكية الجديدة، إضافة إلى اضطرابات الإنتاج في خليج المكسيك بسبب الإعصار «إيسياس»، الذي أدى، وفق البيانات التي نقلتها رويترز، إلى توقف نحو 1.3 مليون برميل يومياً من الإنتاج الأمريكي في المنطقة، أي قرابة 62.9 في المائة من الإنتاج المشار إليه في التقرير.
وهذا التداخل بين عوامل التهدئة والتصعيد يفسر التقلبات الحادة التي تشهدها أسعار الخام. فالأسواق قد تتفاعل بسرعة مع تصريح يقلل احتمال اندلاع هجوم جديد، لكنها تعيد احتساب المخاطر عندما تظهر بيانات عن استهداف ناقلات أو انخفاض الشحنات أو تعطل منشآت الإنتاج.
وبالتالي، فإن تراجع برنت إلى 102.60 دولار لا يكفي للاستنتاج بأن الأسعار تتجه نحو انخفاض مستدام، كما أن ارتفاعها في جلسة واحدة لا يعني بالضرورة أن أزمة الإمدادات ستزداد سوءاً بصورة دائمة. فالمسار سيظل مرتبطاً بتطورات الميدان ومدى تحقق تقدم ملموس في المفاوضات.
المغرب أمام معادلة الطاقة والقدرة الشرائية
بالنسبة إلى المغرب، الذي يعتمد على استيراد حاجاته من المنتجات النفطية، فإن استمرار ارتفاع الأسعار العالمية يمثل خطراً على كلفة الاستيراد وعلى القطاعات التي تعتمد بكثافة على الوقود، وفي مقدمتها النقل والخدمات اللوجستية والفلاحة وبعض الأنشطة الصناعية.
وإذا استمرت الأسعار العالمية مرتفعة، فقد تواجه الشركات المستوردة والمهنيون ضغوطاً إضافية، مع احتمال انتقال جزء من الكلفة إلى أسعار النقل والسلع والخدمات. لكن حجم التأثير وسرعته يعتمدان أيضاً على سعر صرف الدرهم، وكلفة الشحن والتأمين، وهوامش التوزيع، والضرائب، وتوقيت شراء الشحنات، فضلاً عن سياسات التسعير المحلية.
كما أن انخفاض أسعار النفط في السوق الدولية لا ينعكس بالضرورة بصورة فورية أو مساوية على أسعار المحروقات داخل المغرب، بسبب اختلاف مواعيد التوريد وتكاليف التخزين والنقل والتوزيع. ولذلك، فإن تقييم الأثر المحلي يحتاج إلى مقارنة أسعار الاستيراد الفعلية وتكاليفها بتطور الأسعار في محطات الوقود، بدل الاعتماد على حركة العقود الآجلة وحدها.
وفي هذا السياق، تعود أهمية الشفافية في مكونات الأسعار ومراقبة المنافسة إلى الواجهة، خصوصاً في فترات التقلبات الدولية، حين يحتاج المستهلك إلى معرفة مدى انتقال الارتفاعات والانخفاضات الخارجية إلى السوق الوطنية.
المفاوضات هي الاختبار.. لا التصريحات
تدخل المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والانتخابية. فواشنطن تريد احتواء كلفة الحرب ومخاطرها على الأسواق والناخبين، فيما تسعى طهران إلى تخفيف الضغط الاقتصادي مع الحفاظ على أوراق تفاوضية، وفي مقدمتها موقعها الاستراتيجي وقدرتها على التأثير في أمن الملاحة.
غير أن تضارب المصالح يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أمراً معقداً، خصوصاً إذا استمرت الهجمات والعقوبات بالتوازي مع المحادثات. وقد يؤدي فشل التفاوض إلى تجدد المخاوف من التصعيد، بينما يمكن لاتفاق قابل للتنفيذ يضمن سلامة الملاحة واستمرار تدفق الإمدادات أن يخفف جزءاً من علاوة المخاطر في الأسعار.
وعليه، فإن السؤال المطروح ليس ما إذا كان ترامب قد أعلن تأجيل الهجوم قبل الانتخابات فحسب، بل ما إذا كانت واشنطن وطهران قادرتين على تحويل هذه الإشارة السياسية إلى ترتيبات أمنية قابلة للتحقق، تشمل الملاحة ووقف الهجمات وتحديد شروط التعامل مع الملف النووي والعقوبات.
وفي انتظار ذلك، ستظل أسواق الطاقة تتحرك بين الأمل في التهدئة والخوف من انقطاع الإمدادات. أما المغرب، فسيكون معنياً بمراقبة هذه التطورات لما لها من انعكاسات محتملة على فاتورة الطاقة والقدرة الشرائية وتكاليف الإنتاج، مع ضرورة الفصل بين التقلبات اليومية في الأسواق وبين أي تغير مستدام في أسعار المحروقات محلياً.






