سياسة

المغرب يعيد هيكلة دبلوماسيته القنصلية بالخارج… تعيينات جديدة تعكس دينامية التحديث وتعزيز خدمة الجالية المغربية

في خطوة تعكس الدينامية المتواصلة التي تشهدها الدبلوماسية المغربية، كشفت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج عن حركة تعيينات واسعة شملت 21 قنصلاً عاماً جديداً برسم سنة 2026، في إطار استراتيجية تروم تحديث الشبكة القنصلية للمملكة وتعزيز نجاعة الخدمات المقدمة للجالية المغربية المقيمة بالخارج، إلى جانب ضخ كفاءات جديدة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي تعرفها الملفات القنصلية والدبلوماسية.

وتكتسي هذه الحركة أهمية خاصة، ليس فقط بحكم عدد التعيينات التي تمثل حوالي 35 في المائة من مجموع المراكز القنصلية المغربية بالخارج، ولكن أيضاً بالنظر إلى طبيعة التوجهات الجديدة التي أصبحت تؤطر عمل الدبلوماسية المغربية، خاصة في ما يتعلق بتقوية الحضور الإداري والقنصلي للمملكة داخل الدول التي تعرف كثافة كبيرة من أفراد الجالية المغربية.

دبلوماسية القرب وخدمة الجالية

وتأتي هذه التعيينات في سياق تزايد الرهانات المرتبطة بتدبير شؤون ملايين المغاربة المقيمين بالخارج، والذين يشكلون امتداداً استراتيجياً للمغرب على المستويين الاقتصادي والوطني، خصوصاً في ظل التحولات الدولية المرتبطة بالهجرة والتنقل والخدمات الإدارية والقانونية.

وأصبحت القنصليات المغربية بالخارج مطالبة اليوم بأدوار تتجاوز الجانب الإداري التقليدي، لتتحول إلى فضاءات لخدمة المواطنين ومواكبة مشاكلهم اليومية، سواء المرتبطة بالحالة المدنية أو الوثائق الإدارية أو الاستثمار أو القضايا الاجتماعية والقانونية، إضافة إلى تأطير أفراد الجالية والحفاظ على ارتباطهم الثقافي والوطني بالمملكة.

وفي هذا الإطار، تؤكد المعطيات الرسمية أن هذه الحركة الجديدة سعت إلى تحقيق توازن بين عنصر الخبرة والتجديد، حيث تم تعيين عدد مهم من الأطر ذات التجربة الطويلة في العمل القنصلي، إلى جانب كفاءات جديدة تدخل لأول مرة إلى هذا المستوى من المسؤولية.

حضور نسائي متزايد داخل الدبلوماسية المغربية

ومن أبرز المؤشرات التي حملتها هذه التعيينات، الحضور القوي للمرأة داخل المناصب القنصلية العليا، بعدما بلغت نسبة النساء ضمن القناصل العامين الجدد حوالي 40 في المائة، وهي نسبة تعكس التحولات التي تعرفها الإدارة الدبلوماسية المغربية والانفتاح المتزايد على الكفاءات النسائية داخل مواقع القرار والتمثيل الخارجي.

ويرى متابعون أن هذا التوجه ينسجم مع الدينامية المؤسساتية التي يعرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، والهادفة إلى تعزيز مبدأ المناصفة وتكافؤ الفرص داخل مختلف المؤسسات الوطنية، بما فيها القطاعات ذات الطابع السيادي والدبلوماسي.

الخبرة القنصلية في قلب التعيينات الجديدة

كما حملت الحركة الجديدة مؤشراً آخر مرتبطاً بتكريس مبدأ الخبرة والتخصص، إذ تمّت ترقية 11 قنصلاً عاماً سبق لهم شغل مناصب قنصلية داخل عدد من الدول، وهو ما يعكس توجهاً نحو الاستفادة من التجارب الميدانية المتراكمة في تدبير الملفات القنصلية المعقدة.

وتشير المعطيات ذاتها إلى أن حوالي 70 في المائة من المعينين الجدد سبق لهم العمل داخل السلك القنصلي، مقابل 30 في المائة قادمين من مجالات دبلوماسية وإدارية أخرى، في محاولة للجمع بين التجربة الميدانية والرؤية الجديدة في تدبير الشأن القنصلي.

كما أن ما يقارب نصف القناصل المعينين تم تكليفهم بهذه المسؤولية لأول مرة، في خطوة تهدف إلى تجديد النخب الإدارية والدبلوماسية وفتح المجال أمام كفاءات جديدة داخل منظومة العمل الخارجي للمملكة.

فرنسا وإسبانيا وإيطاليا… أولوية للجالية المغربية الكبرى

وشملت هذه التعيينات عدداً من الدول التي تضم أكبر تجمعات للجالية المغربية بالخارج، وفي مقدمتها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا، وهي الدول التي تعرف ضغطاً كبيراً على مستوى الخدمات القنصلية بفعل الكثافة السكانية للمغاربة المقيمين بها.

ففي فرنسا، تم تعيين عادلة الوردي بقنصلية رين، ونزهة ريكي بقنصلية بونطواز، بينما شهدت إيطاليا تعيين عبد الإلاه النجاري بروما، ومحمد العلوي بميلانو، وحليمة بنتهي ببولونيا، وحسناء حليم بفيرونا.

أما في إسبانيا، التي تعد من أبرز بلدان الاستقبال للجالية المغربية، فقد شملت التعيينات سناء مروح بتاراغونا، وفاطمة القاضي بألميريا، وإكرام شاهين بمورسيا، وسيدي أباد بلاس بالماس.

وفي هولندا، تم تعيين عبد الرحيم شكير بأمستردام، وصارة آيت المودن بروتردام، في وقت تواصل فيه القنصليات المغربية بهذا البلد لعب دور محوري في مواكبة قضايا الجالية المغربية التي تعد من بين الأكثر تنظيماً وتأثيراً داخل أوروبا.

تعزيز الحضور المغربي في الفضاءين العربي والأمريكي

ولم تقتصر الحركة الجديدة على أوروبا فقط، بل شملت أيضاً عدداً من الدول العربية والأمريكية ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للمغرب.

ففي ليبيا، تم تعيين محمد الأمين السطي ببنغازي، وحسن أملول بطرابلس، بينما تم تعيين حمو هشام أوسي بتونس العاصمة، وإبراهيم أحوالي بجدة في المملكة العربية السعودية، وعزيز الأنصاري بإسطنبول التركية.

كما شملت التعيينات كلاً من محمد الحسني الإدريسي بسيدي بلعباس الجزائرية، ومحمد هشام بنسلطان بمونتريال الكندية، وطارق أزيرارن بتورنتو، إضافة إلى يونس النجار الذي تم تعيينه بقنصلية نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية.

رؤية جديدة للدبلوماسية المغربية

ويرى مراقبون أن هذه الحركة القنصلية الواسعة تعكس إرادة مغربية واضحة لإعادة هيكلة العمل القنصلي وفق مقاربة حديثة تقوم على النجاعة الإدارية والقرب من المواطنين وتطوير الخدمات الرقمية وتحسين صورة الإدارة المغربية بالخارج.

كما تأتي هذه الخطوة في ظل الرهانات الكبرى التي يواجهها المغرب على المستوى الدولي، سواء في ما يتعلق بقضايا الهجرة أو الدفاع عن المصالح الوطنية أو مواكبة التحولات الاقتصادية والاستثمارية التي أصبح فيها مغاربة العالم يلعبون دوراً محورياً.

وبات واضحاً أن المؤسسة الدبلوماسية المغربية تتجه أكثر فأكثر نحو نموذج جديد يقوم على المهنية والتخصص والفعالية، مع منح أهمية متزايدة للكفاءات القادرة على تدبير الملفات القنصلية المعقدة والتفاعل السريع مع انتظارات الجالية المغربية المنتشرة عبر العالم.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، تبرز هذه التعيينات كجزء من رؤية أشمل تهدف إلى تعزيز حضور المغرب الخارجي وتطوير أدواته الدبلوماسية والقنصلية، بما ينسجم مع المكانة المتنامية للمملكة على الساحة الدولية والإقليمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى