والي كلميم يسقط في المحضور و يمتنع عن مصافحة منتخب من حزب العدالة والتنمية يثير الجدل

أثارت واقعة رفض والي جهة كلميم واد نون، محمد الناجم أبهاي، مصافحة منتخب محلي ينتمي لحزب العدالة والتنمية، جدلاً واسعاً في المشهد السياسي والإداري بالجهة. الحادثة، التي وقعت خلال احتفالات وطنية ذات دلالة رمزية عالية (الذكرى الـ 50 للمسيرة الخضراء)، تم توثيقها وأعادت إلى الواجهة ملف العلاقة بين السلطات الإدارية والسلطات المنتخبة، ومدى احترام الأعراف البروتوكولية في التعامل مع ممثلي المواطنين.
المنتخب المعني بالواقعة هو عبد الله النجامي، النائب الثاني لرئيس المجلس الجماعي لكلميم. إن هذا الرفض العلني للمصافحة، الذي حدث في إطار مراسيم رسمية، لم يُعتبر مجرد “خطأ بروتوكولي عابر”، بل تُرجم محلياً كـ “تجاهل متعمد” يمس بالدرجة الأولى الصفة التمثيلية الدستورية التي يحملها “النجامي”.
في النظام السياسي المغربي، يمثل المنتخبون إرادة الناخبين، وأي تصرف صادر عن مسؤول ترابي بهذا الحجم يمكن أن يُفسر على أنه إساءة لمؤسسة التمثيل الديمقراطي برمتها. هذا الأمر يهدد بتأجيج التوتر بين الإدارة المنتدبة والسلطة المنتخبة، في وقت تقتضي فيه متطلبات التنمية المستدامة تعاوناً كاملاً وتناغماً في الأدوار.
تتخذ هذه الواقعة أبعاداً أعمق في سياق جهة كلميم واد نون. فقد ربطت فعاليات حزبية وجمعوية محلية هذا التصرف بما وصفته بـ “التجاذب السياسي” الحاصل حول ملفات التنمية والمراقبة الإدارية. إذ أفادت مصادر من حزب العدالة والتنمية بأن الرفض قد يكون ناتجاً عن انتقادات مستمرة وجهها المجلس الجماعي لسير تنفيذ بعض المشاريع التنموية التي يشرف عليها الوالي، مما يعكس وجود صدام محتمل بين الرغبة في المراقبة والمساءلة من جهة، وبين تقبل الإدارة العليا لهذه المراقبة من جهة أخرى.
إن تحويل الخلاف حول قضايا التنمية والتدبير إلى تعبير شخصي وإداري غير لائق في مناسبة وطنية، يبعث برسالة سلبية حول جاهزية بعض المسؤولين الترابيين لتبني روح الشراكة والتفاعل الإيجابي مع المؤسسات المنتخبة، بعيداً عن أي خلفيات حزبية أو إيديولوجية.
هذه الواقعة تضع المسؤولين الترابيين تحت مجهر تقييم التزامهم بـ المفهوم الجديد للسلطة الذي أرساه جلالة الملك محمد السادس نصره الله. هذا المفهوم يؤكد على أن السلطة هي خدمة للمواطن، وتقتضي الحياد، والفعالية، واحترام المؤسسات الدستورية كشريك لا كخصم.
إن التوجيهات الملكية السامية تدعو إلى ضرورة الإنصات والحوار مع كافة الفاعلين، وهو ما يتطلب من الوالي، كأعلى ممثل للدولة في الجهة، أن يكون قدوة في التعامل المؤسساتي اللائق. وعليه، فإن هذا التصرف يستدعي تدخلاً حاسماً من وزارة الداخلية لفتح تحقيق إداري دقيق، يعيد الاعتبار للمنتخب المحلي والتمثيلية الدستورية، ويؤكد على أن معايير الحكامة والإدارة الجيدة هي المعيار الأوحد الذي يحكم عمل المسؤولين الترابيين، خاصة ونحن مقبلون على استحقاقات وطنية وعالمية تتطلب أقصى درجات التعبئة والتناغم المؤسساتي.
في أعقاب الجدل الذي أثير بجهة كلميم واد نون حول امتناع والي الجهة عن مصافحة منتخب محلي خلال مراسيم رسمية، يبرز تساؤل مهم حول الإدارة المسبقة للأحداث وتفادي الأزمات البروتوكولية.
إذا افترضنا وجود خلافات عميقة أو تحفظات إدارية من قبل الوالي تجاه المنتخب المعني (بسبب انتقادات أو مواقف سابقة)، كان من الممكن للوالي، كسلطة إدارية عليا مسؤولة عن البروتوكول والمراسيم في الجهة، أن يتخذ إجراءات تدبيرية استباقية لتفادي وقوع مثل هذه الحوادث في العلن.
كان بإمكان الإدارة الترابية، عبر مديرية الديوان ، أن تعمل على ترتيب الحضور والبرنامج بطريقة تضمن حيادية المظهر العام للدولة، وتحافظ على هيبة المؤسسات دون المساس بأي شخص. على سبيل المثال:
- تعديل قائمة المدعوين الرسميين: إذا كان حضور المنتخب المعني سيثير حرجاً، كان من الأجدى مراجعة قائمة المدعوين الرسميين في الصف الأول (إن كان حضوره لا يعتبر إلزامياً بالصفة) أو ترتيب تسلسل المصافحات بطريقة تخفف من الاحتكاك المباشر.
- إصدار تعليمات داخلية مسبقة: كان يجب التأكيد على ضرورة الالتزام الصارم بالبروتوكول الحيادي الذي لا يميز بين المنتخبين، بغض النظر عن انتمائهم السياسي أو مواقفهم الإدارية السابقة.
إن اختيار الامتناع المباشر والعلني عن المصافحة في يوم وطني جامع و بعد عيد الوحدة الذي أقره جلالة الملك ، يُعد إخفاقاً في التدبير الإداري الرشيد للأزمة، حيث أنه بدل أن يحل المشكل بشكل هادئ وبعيداً عن الأضواء (سواء بإعطاء تعليمات بعدم استدعاء شخص معين، أو بترتيب الصفوف)، اختار الوالي طريقة فجرت الجدل وأثارت “القلاقل” وساهمت في تعكير الأجواء، وهو ما يتناقض مع دور الإدارة الترابية الذي يهدف إلى ضمان السلم الاجتماعي والاستقرار المؤسساتي.
و تبقى الكفاءة الإدارية للمسؤولين تُقاس ليس فقط بمدى قدرتهم على اتخاذ القرارات، بل أيضاً بمدى مهنيتهم في تجنب الخلافات العلنية التي تُضعف الثقة في المؤسسات وتشتت الانتباه عن الأهداف التنموية الكبرى.






