هل يتراجع ميداوي عن وعوده؟ ملف الأنوية الجامعية يعود إلى الواجهة وسط غضب الأقاليم البعيدة

في كل مرة يُطرح فيها سؤال العدالة الجامعية، يعود الكلام نفسه: “المنطق”، “العقلانية”، “الدراسة القبلية”، “الخريطة الجامعية”… غير أن الواقع على الأرض يصرخ بعكس ذلك تمامًا. عشرات الأقاليم البعيدة ما زالت تعيش عزلة تعليمية خانقة، والآلاف من الطلبة يقطعون يوميًا مسافات مرهقة للوصول إلى الجامعات الكبرى، بينما المشاريع التي قُدمت يومًا كأفق للإنصاف الترابي لا تزال مجرد وعود معلقة على شماعة “المنطق”.
ورغم أن وزير التعليم العالي عز الدين الميداوي حاول في جلسة الأسئلة الشفهية الأخيرة تقديم خطاب مطمئن، إلا أن تصريحاته جاءت لتؤكد، دون أن يقصد، حجم التراجع العملي عن خلق الأنوية الجامعية التي انتظرتها جهات عديدة منذ سنوات.
سبع سنوات من البرمجة.. ولا نواة واحدة
الوزير كشف، دون مواربة، أن 33 نواة جامعية تمت برمجتها بين 2018 و2021 لم يُنجز منها أي مشروع بعد مرور سبع سنوات كاملة. ورغم محاولته تبرير ذلك بكون “الإنجاز لا يمكن أن يتم في سنة واحدة”، إلا أن الواقع يطرح سؤالًا بسيطًا:
متى إذن؟
أقاليم كاملة ما زالت تدفع الثمن:
-
طلبة يقضون ساعات طويلة في النقل اليومي،
-
أسر تنهكها تكاليف الإيواء والسكن،
-
شباب يُجبرون على التخلي عن الدراسة بسبب بعد الجامعات.
ورغم هذه الحقائق الصادمة، يصر الوزير على أن “الإكراهات المالية غير مزعجة”، ما يعني أن العائق ليس المال بل الإرادة والسرعة السياسية في التنفيذ.
خطاب يبرر التباطؤ بدل مواجهة الحقيقة
الميداوي عاد ليكرر أن “إحداث الأنوية الجامعية يتطلب المنطق والعقلانية”، وكأن المطالبة بجامعة قريبة من أبناء المناطق البعيدة مطلب غير منطقي!
الحقيقة أن “المنطق” يجب أن يكون في خدمة العدالة المجالية، لا ذريعة لتأجيلها.
كما أن تأكيده على أن الخريطة الجامعية جاهزة لكنها تنتظر قانونًا ما، يطرح سؤالًا آخر:
هل يحق لملفات مصيرية أن تُعطل فقط لأن نصًا قانونيًا لم يصدر بعد؟
الملف الآن في دائرة الغموض، ومعها تتضاءل ثقة المواطنين في الوعود المتكررة.
منطق لا يستقيم مع واقع الهشاشة
حين يقول الوزير إنه “لا يجب حصر أبناء المغاربة في مناطقهم”، فهو يتجاهل أن هؤلاء الأبناء لا يملكون خيار التنقل أصلًا!
-
غياب النقل الجامعي،
-
غلاء أسعار الكراء،
-
ضعف المنح،
-
وانعدام بدائل قريبة للدراسة.
كيف يمكن الحديث عن حرية التنقل والاختيار بينما الجامعة نفسها بعيدة جدًا عن المتعلم؟
هل هناك تراجع غير معلَن؟
رغم تأكيد الوزير أن وزارته “أعادت إحياء” مشاريع الأنوية الجامعية، إلا أن الواقع يقول إن التأجيل أصبح القاعدة، والانتظار لا نهاية له.
المشاريع التي تُعلن في الجلسات والبلاغات لا تجد طريقها إلى التنفيذ إلا في حالات معدودة، بينما أقاليم بأكملها تواصل الوقوف في طابور الوعود.
البلاد اليوم بحاجة إلى قرار سياسي واضح:
هل ستحدث الأنوية الجامعية في الأقاليم البعيدة أم أن الملف سيدفن تحت مبررات “المنطق”؟
العدالة الجامعية ليست شعارًا… إنها ضرورة عاجلة
احتياجات الطلبة لا تنتظر الخرائط الإدارية، ولا المساطر القانونية، ولا لغة التبرير الهادئ.
الأنوية الجامعية ليست “ترفًا”، بل حقًا يضمن تكافؤ الفرص، ويحد من الهدر الجامعي، ويحقق الحد الأدنى من العدالة المجالية.
المطلوب اليوم ليس مزيدًا من الوعود، بل قرارات جريئة تعيد لهذا الورش مصداقيته، وتضع حدًا لسنوات طويلة من التردد.
إذا كان الوزير يقول إن “الإكراهات المالية غير مزعجة”، فإن الإزعاج الحقيقي هو استمرار هذا الجمود بينما آلاف الشباب ينتظرون جامعة أقرب… وفرصة أقرب.






