هل تراجعت المنصوري رئيسة الحكومة عن وعودها الانتخابية؟ وما مصير انتظارات المغاربة بشأن رفع الدعم الاجتماعي إلى ألف درهم؟

أثار عرض رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري للبرنامج الحكومي نقاشا واسعا حول مصير الوعود الاجتماعية التي رافقت الحملة الانتخابية، بعدما تبين أن بلوغ الدعم الاجتماعي المباشر سقف ألف درهم سيظل مؤجلا إلى نهاية الولاية الحكومية، في أفق سنة 2031، وفق ما ورد في التصريح الحكومي. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول الفارق بين الوعود التي انتظر المغاربة تنزيلها والآجال التي وضعتها الحكومة لتحقيقها.
فكثير من المواطنين كانوا ينتظرون أن يحمل البرنامج الحكومي الجديد إشارات واضحة بشأن الرفع من قيمة الدعم الاجتماعي، خاصة أن حزب الأصالة والمعاصرة جعل هذا الالتزام جزءا من خطابه الانتخابي، في سياق وعود بتحسين الأوضاع الاجتماعية وتعزيز القدرة الشرائية للفئات محدودة الدخل.
لكن الحديث عن بلوغ ألف درهم مع نهاية الولاية الحكومية يضع هذا الوعد أمام اختبار سياسي واجتماعي حقيقي، ويعيد إلى الواجهة سؤالا جوهريا: هل يتعلق الأمر بتنزيل تدريجي لالتزام انتخابي وفق جدول زمني محدد، أم أن المغاربة مطالبون بانتظار سنوات إضافية قبل أن يلمسوا الأثر الكامل لهذا الوعد في حياتهم اليومية؟
إن المسألة لا تتعلق بمجرد اختلاف في التوقيت، ولا بنقاش تقني حول كيفية تنفيذ برنامج حكومي، بل بانتظارات اجتماعية تشكلت لدى آلاف الأسر التي كانت تأمل أن ينعكس الالتزام برفع الدعم على أوضاعها المعيشية في أقرب الآجال. فحين يتعلق الأمر بالأرامل والنساء المعيلات والأسر التي تعيش تحت ضغط الفقر والهشاشة، فإن كل زيادة في الدعم قد تشكل فارقا ملموسا في تدبير المصاريف اليومية وتوفير الحاجيات الأساسية.
وفي العالم القروي على وجه الخصوص، تتخذ هذه الانتظارات أبعادا أكثر إلحاحا، بالنظر إلى تداخل الفقر وضعف فرص الشغل وصعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع تكاليف التنقل، فضلا عن محدودية الموارد المالية لدى عدد كبير من الأسر. وهناك نساء وأرامل وأسر محدودة الدخل كانت تنتظر الانتقال من مبلغ 500 درهم إلى ألف درهم باعتباره خطوة من شأنها أن تخفف جانبا من الأعباء التي تثقل كاهلها.
وبالنسبة إلى هذه الفئات، فإن تأجيل بلوغ المبلغ الموعود إلى نهاية الولاية الحكومية لا يمر باعتباره مجرد تفصيل في برنامج سياسي، بل يثير أسئلة حول كيفية تدبير السنوات المقبلة، وحول الإجراءات التي ستتخذها الحكومة لتحسين أوضاع المستفيدين قبل حلول الموعد النهائي المعلن عنه.
ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الحكومة ستعتمد زيادات مرحلية واضحة، وما قيمة هذه الزيادات ومواعيدها، أم أن الأسر المعنية ستظل في انتظار الوصول إلى السقف المعلن عنه دون أن تتوفر لديها صورة دقيقة عن مسار تطور الدعم خلال السنوات المقبلة.
إن الفرق بين الوعد الانتخابي والالتزام الحكومي لا ينبغي أن يظل منطقة رمادية يصعب على المواطن فهمها. فالبرنامج الانتخابي يقدم للمواطنين تصورات الأحزاب وتعهداتها، فيما يفترض أن يوضح البرنامج الحكومي كيفية تحويل تلك التعهدات إلى إجراءات عملية، مع تحديد الآجال والموارد المالية ومؤشرات التقييم.
وعندما يلاحظ المواطن أن بلوغ أحد أبرز الأهداف الاجتماعية سيستغرق الولاية الحكومية كاملة، فمن الطبيعي أن يطالب بتوضيحات بشأن الجدول الزمني المعتمد، وبشأن مدى تطابق هذا الأفق مع ما فهمه من الوعود الانتخابية.
وفي هذا السياق، لا يمكن الجزم بأن الحكومة تراجعت عن التزامها قبل توضيح الصيغة الدقيقة للتعهد الانتخابي وشروط تنفيذه، لكن من حق المغاربة أن يتساءلوا عما إذا كان تحديد سنة 2031 موعدا لبلوغ ألف درهم ينسجم مع انتظاراتهم، وأن يطالبوا بتفسير واضح للفارق بين تلك الانتظارات والآجال المعلنة في البرنامج الحكومي.
كما أن بلوغ هذا المبلغ في نهاية الولاية يطرح سؤالا آخر لا يقل أهمية: ما القيمة الفعلية لألف درهم في ذلك التاريخ، في ظل ما قد تعرفه تكاليف المعيشة من تغيرات؟ فالمعيار الحقيقي لنجاعة الدعم الاجتماعي لا يكمن في الرقم الذي تعلنه الحكومة فحسب، بل في قدرته على تلبية الحاجيات الأساسية للمستفيدين، وفي أثره الملموس على قدرتهم الشرائية.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية السياسية تقتضي ألا يقتصر التواصل الحكومي على الإعلان عن الأهداف النهائية، بل أن يمتد إلى تقديم تفاصيل دقيقة بشأن مراحل التنفيذ، والزيادات المتوقعة، والفئات المستفيدة، والآجال المحددة لكل مرحلة. فوضوح الالتزامات من شأنه أن يتيح للمواطنين متابعة مدى تقدم الحكومة في تنفيذ وعودها، بعيدا عن التأويلات والانتظارات المفتوحة.
وتجد رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها، في هذا الملف، أمام مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة صريحة: هل كان رفع الدعم الاجتماعي إلى ألف درهم مقررا منذ البداية ليتم عند نهاية الولاية الحكومية؟ وما المبالغ التي ستصل إليها الأسر خلال السنوات المقبلة؟ وهل توجد جدولة زمنية معلنة للزيادات المرحلية؟ وما الإجراءات التي ستواكب هذا الدعم حتى لا تفقد الزيادة المنتظرة جزءا من أثرها بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة؟
إن هذه الأسئلة ليست مجرد سجال سياسي، بل تعكس انشغالا اجتماعيا حقيقيا لدى فئات تنتظر أن تتحول الوعود الانتخابية إلى تحسينات ملموسة في ظروف عيشها. فالأسر الفقيرة لا تستطيع تأجيل حاجياتها إلى نهاية الولاية الحكومية، والأرامل والنساء المعيلات لا يملكن ترف الانتظار سنوات إضافية دون معرفة ما ستقدمه الحكومة لهن خلال هذه المرحلة.
وبين ما وعدت به الأحزاب خلال الحملة الانتخابية وما أعلنته الحكومة في برنامجها، يبقى المطلوب هو توضيح الالتزامات والآجال، وتقديم ضمانات عملية بشأن مسار الزيادة في الدعم الاجتماعي، حتى لا تتحول الوعود المرتبطة بتحسين الأوضاع المعيشية إلى أهداف مؤجلة يصعب على المواطنين قياس مدى الوفاء بها.
فهل ستخرج رئيسة الحكومة بتوضيحات ترفع الالتباس بشأن موعد رفع الدعم الاجتماعي إلى ألف درهم، وتحدد بدقة ما ينتظر الأسر خلال السنوات المقبلة؟ أم أن المغاربة سيكونون أمام انتظار يمتد إلى نهاية الولاية الحكومية لتحقيق وعد اجتماعي راهنت عليه فئات واسعة لتحسين أوضاعها؟
إن الجواب عن هذا السؤال سيظل من بين أبرز الاختبارات الاجتماعية للحكومة الجديدة، لأن الثقة في البرامج الانتخابية لا تُبنى بالوعود وحدها، وإنما بمدى وضوحها، واحترام آجالها، وقدرة السياسات العمومية على تحويلها إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.






