سياسة

تراجع الخطاب السياسي بالمغرب.. حين تنسحب الأفكار من المنابر وتتقدم لغة المصالح والفراغ

مقال رأي: عبدالله مشواحي الريفي

لم يعد السؤال الذي يفرض نفسه على المشهد السياسي المغربي مرتبطا فقط بتوازنات الأغلبية والمعارضة، أو بتوزيع الحقائب الوزارية، أو بالأسماء التي تتقدم الصفوف خلال الاستحقاقات الانتخابية، بل أصبح يتصل بجوهر السياسة نفسها: أين اختفى الخطاب السياسي القادر على الإقناع؟ وكيف تحولت المنابر التي يفترض أن تنتج الأفكار وتناقش الاختيارات الكبرى إلى فضاءات يغلب عليها تدبير اللحظة، وتبادل الرسائل، وتبرير المواقف، في مقابل تراجع النقاش العمومي حول البدائل والمشاريع؟

إن تراجع الخطاب السياسي ليس مجرد مشكلة لغوية أو ضعف في القدرة على التعبير، بل هو مؤشر على أزمة أعمق تمس علاقة الأحزاب بالمجتمع، وطبيعة النخب التي تتولى تدبير الشأن العام، ومدى قدرة المؤسسات الحزبية على تقديم أجوبة مقنعة عن الأسئلة التي تشغل المواطنين. فالسياسة، في جوهرها، ليست أسماء تتصدر المشهد ولا مناصب يتنافس عليها الفاعلون، وإنما أفكار وبرامج واختيارات واضحة، تتيح للمواطن أن يفهم إلى أين يتجه البلد، وما الذي ستفعله الحكومة، وكيف ستراقب المعارضة أداءها.

حين تصبح السياسة تدبيرا للمواقع

من مظاهر هذا التراجع أن النقاش السياسي ينصرف في كثير من الأحيان إلى هندسة التحالفات، وحسابات الأغلبية، وتوزيع المسؤوليات، بينما لا تحظى الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية بالقدر نفسه من النقاش التفصيلي. وتصبح الأسئلة المتعلقة بمن سيتولى هذا المنصب أو ذاك أكثر حضورا من الأسئلة المتعلقة بكلفة القرارات الحكومية، وأثرها على القدرة الشرائية، ومصير الشباب الباحثين عن الشغل، ومستقبل المدرسة العمومية والمنظومة الصحية.

لا يعني ذلك أن التفاوض حول تشكيل الحكومات أو توزيع المسؤوليات أمر ثانوي، فهذه ممارسات طبيعية في الأنظمة البرلمانية. لكن الإشكال يبدأ عندما تطغى حسابات المواقع على مضمون السياسات، وعندما يصبح الوصول إلى المسؤولية غاية في حد ذاته، بدل أن يكون وسيلة لتنفيذ مشروع سياسي معلن وقابل للمحاسبة.

في هذه الحالة، يفقد المواطن القدرة على التمييز بين المشاريع الحزبية، لأن الاختلافات التي يفترض أن تميز حزباً عن آخر تتراجع أمام لغة عامة تتكرر فيها الوعود نفسها، بينما تظل الفوارق الحقيقية في الاختيارات والنتائج أقل وضوحا.

الأحزاب وخسارة لغة الإقناع

لطالما شكلت الأحزاب السياسية مدرسة للتأطير والتكوين وإنتاج النخب، وكانت قوة التنظيمات السياسية تقاس بقدرتها على صياغة الأفكار، وتقديم البرامج، وتفسير التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وإقناع المواطنين ببدائلها.

أما اليوم، فإن جزءا من الخطاب الحزبي يبدو محاصرا بين لغة رسمية تفتقر أحيانا إلى التفاصيل، وخطاب مناسباتي يستعيد العبارات نفسها عند كل استحقاق، ورسائل إعلامية قصيرة تبحث عن الانتشار أكثر مما تبحث عن بناء نقاش مستمر.

وتزداد المشكلة عندما لا يصاحب الوعود الانتخابية شرح واضح لكيفية تنفيذها، أو عندما لا تقدم الأحزاب تقييما صريحا لما حققته وما أخفقت فيه. فالخطاب السياسي الذي لا يشرح كلفة الاختيارات وحدود الإمكانات، ولا يعترف بصعوبة بعض القرارات، يخاطر بفقدان مصداقيته، حتى عندما تكون بعض أهدافه مشروعة.

إن المواطن لا يحتاج إلى خطاب يعده بحل جميع المشكلات، بقدر ما يحتاج إلى خطاب صريح يحدد الأولويات، ويشرح الوسائل، ويعترف بالإكراهات، ويقدم أجوبة قابلة للاختبار.

من البرلمان إلى مواقع التواصل.. تغيرت قواعد النقاش

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولا عميقا في العلاقة بين السياسة والرأي العام. فلم تعد الأحزاب وحدها تتحكم في توقيت وصول الرسائل السياسية أو في الطريقة التي يجري بها تداولها، إذ أصبح بإمكان المواطنين والصحافيين والفاعلين الرقميين كشف التناقضات، وإعادة نشر التصريحات، ومساءلة المسؤولين عن مواقف سابقة.

وقد أسهم هذا التحول في توسيع النقاش العمومي، ومنح قضايا كانت محدودة التداول فرصة للوصول إلى جمهور أوسع. لكنه أفرز، في المقابل، تحديات جديدة، من بينها سرعة انتشار المعلومات غير المكتملة، وتحول بعض النقاشات إلى سجالات شخصية، وتغليب الإثارة على التحقق، واختزال قضايا معقدة في مقاطع قصيرة أو عبارات قابلة للتداول.

وهنا تظهر المفارقة: يستطيع الإعلام الرقمي أن يفرض على المسؤول السياسي الإجابة عن أسئلة كان من الممكن أن يتجنبها، لكنه لا يستطيع وحده تعويض غياب المؤسسات الحزبية القادرة على تحويل الغضب اللحظي إلى نقاش منظم، ومقترحات تشريعية، وبرامج بديلة.

كما أن الانتشار الواسع لتصريح معين لا يعني بالضرورة أنه يمثل موقف المجتمع كله، مثلما أن التفاعل الرقمي لا يعوض البحث الميداني أو النقاش المؤسسي. لذلك فإن تجديد الخطاب السياسي يقتضي الاستفادة من هذه الوسائط دون الارتهان لمنطقها السريع أو تحويل السياسة إلى سباق دائم نحو الإثارة.

الأغلبية والمعارضة.. من يشرح اختياراته للمواطن؟

في المشهد السياسي الحالي، لا تتوقف مسؤولية تجديد الخطاب عند الحكومة وحدها، بل تشمل الأغلبية البرلمانية والمعارضة والأحزاب التي لا تشارك في التدبير الحكومي.

فالأغلبية مطالبة بشرح اختياراتها، وتقديم الحجج التي تبرر قراراتها، وتوضيح العلاقة بين الوعود والميزانية والنتائج. كما أن عليها أن تميز بين الإعلان عن البرامج وتقييم تنفيذها، وأن توفر للمواطنين معطيات تسمح بمراقبة التقدم المحقق.

أما المعارضة، فلا يكفي أن تكتفي برفض القرارات الحكومية أو تسجيل المواقف السياسية، بل يفترض أن تقدم بدائل قابلة للنقاش، وتفحص مشاريع القوانين، وتوضح آثار السياسات المقترحة، وتستخدم أدوات الرقابة البرلمانية لإثارة الأسئلة التي تهم المواطنين.

وتزداد أهمية هذا الدور عندما يتعلق الأمر بالملفات الكبرى، مثل التشغيل، والضرائب، والتقاعد، والصحة، والتعليم، والاستثمار العمومي. فهذه القضايا تحتاج إلى نقاش يستند إلى الأرقام والمعطيات، لا إلى تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بالشعارات.

أما الأحزاب التي توجد خارج الأغلبية والمعارضة بالمعنى التقليدي، فهي مطالبة بدورها بتوضيح مواقفها وبرامجها، حتى لا يتحول الحضور السياسي إلى مجرد تموقع ظرفي لا يتيح للمواطن فهم طبيعة الاختلافات.

الخطاب السياسي والثقة في المؤسسات

يؤثر مستوى الخطاب السياسي في طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات. فعندما لا يجد المواطن تفسيرا واضحا للقرارات التي تمس حياته، أو يلاحظ فجوة بين الوعود والنتائج، قد يتراجع اهتمامه بالنقاش السياسي، أو تتسع المسافة بينه وبين الأحزاب.

ولا يمكن تفسير العزوف السياسي بعامل واحد، لأن له أسبابا متعددة تتداخل فيها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة المشاركة الحزبية، والثقة في المؤسسات، ومدى شعور المواطنين بأن أصواتهم ومطالبهم تجد طريقها إلى القرارات العمومية. لكن الخطاب الواضح والصريح يظل أحد الشروط الضرورية لبناء الثقة، لأنه يمنح المواطنين إمكانية فهم الاختيارات ومناقشتها ومحاسبة المسؤولين عنها.

كما أن تجديد الخطاب لا يتحقق بتغيير المفردات أو اعتماد لغة أكثر جاذبية، بل بتغيير طريقة ممارسة السياسة نفسها: الانتقال من التبرير إلى التفسير، ومن الوعود العامة إلى الالتزامات المحددة، ومن الدفاع عن المواقع إلى الدفاع عن الاختيارات والنتائج.

نحو سياسة تستعيد المعنى

إن استعادة قوة الخطاب السياسي في المغرب تقتضي إعادة الاعتبار للعمل الحزبي القائم على التكوين والتأطير وإنتاج الأفكار، وتوسيع النقاش الداخلي، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات الجديدة، وربط المسؤولية الحزبية والسياسية بالتقييم والمحاسبة.

وتحتاج المؤسسات المنتخبة بدورها إلى نقاشات أكثر عمقا حول مشاريع القوانين والميزانيات والبرامج الحكومية، فيما يظل الإعلام مطالبا بفتح المجال أمام تعدد الآراء، والتحقق من التصريحات، والتمييز بين الخبر والتحليل والموقف السياسي.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن يقدم الفاعلون السياسيون خطابا يحترم ذكاء المواطنين، فلا يبالغ في الوعود، ولا يختزل الخصوم في أوصاف شخصية، ولا يتعامل مع الاختلاف باعتباره خصومة دائمة. فالسياسة الديمقراطية تقوم على التنافس بين البرامج، وعلى إمكانية الاختلاف دون إلغاء الآخر، وعلى حق المجتمع في معرفة ما ينجز وما يتعثر ولماذا.

في النهاية، لا تقاس قوة المشهد السياسي بكثرة التصريحات أو حدة السجالات أو عدد الوجوه التي تتصدر الأخبار، بل بقدرة الفاعلين على إنتاج أفكار واضحة، وتقديم بدائل قابلة للتطبيق، وإقناع المواطنين بأن المشاركة السياسية قادرة على التأثير في حياتهم.

وحين تستعيد السياسة قدرتها على الشرح والإقناع والمساءلة، يصبح الخطاب أكثر من مجرد كلمات عابرة؛ يصبح جسرا بين المؤسسات والمجتمع، وأداة لفهم الاختلافات، ووسيلة لتحويل المطالب إلى سياسات عمومية.

أما إذا استمر تراجع الأفكار أمام حسابات المواقع، وتقدمت لغة الشعارات على وضوح البرامج، فإن الخاسر لن يكون حزبا بعينه أو فاعلا سياسيا محددا، بل النقاش العمومي نفسه، بما يمثله من شرط أساسي لأي حياة ديمقراطية حقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى