عمدة فاس في قلب ملف فساد جماعة فاس.. تأجيل إعادة المحاكمة إلى نونبر لا يطوي صفحة المساءلة والقضاء أمام اختبار تطبيق القانون

عاد ملف الفساد المالي والإداري الذي هز جماعة فاس إلى واجهة المشهد القضائي، مع مثول عمدة المدينة عبد السلام البقالي، إلى جانب الكاتب السابق لمجلس الجماعة سفيان الدريسي وعدد من الموظفين الجماعيين، أمام غرفة الجنايات الاستئنافية بعد النقض بمحكمة الاستئناف بفاس، في فصل جديد من قضية لا تزال تثير أسئلة ثقيلة بشأن المسؤولية والمحاسبة وحدود تحمل المسؤولين العموميين لتبعات ما يجري داخل المؤسسات التي يشرفون على تدبيرها.
وقررت الهيئة القضائية، صباح الاثنين 19 أكتوبر 2026، تأجيل النظر في الملف إلى غاية 9 نونبر المقبل، استجابة لملتمس دفاع أحد الموظفين الجماعيين من أجل الاطلاع على وثائق القضية وإعداد الدفاع. وهو تأجيل إجرائي لا يحمل في حد ذاته أي حكم جديد بالإدانة أو البراءة، لكنه يعيد القضية إلى صدارة الاهتمام المحلي، خصوصا أن الأمر يتعلق بعمدة مدينة فاس، الذي يوجد في قلب متابعة قضائية مباشرة، وليس بمجرد اسم ورد عرضا في قضية مرتبطة بتدبير المال العام.
وتكمن أهمية هذا الملف في أن المسار القضائي لعبد السلام البقالي لم يبدأ بجلسة الاثنين، بل مر بمحطات قضائية متعاقبة، انتقل خلالها من حكم ابتدائي بالبراءة إلى إدانة استئنافية بستة أشهر حبسا نافذا في يونيو 2024، قبل أن تقبل محكمة النقض الطعن المقدم في القرار وتنقضه، لتحيل القضية على هيئة قضائية أخرى من أجل إعادة النظر فيها.
وهذه التفاصيل تفرض قراءة دقيقة للموقف القانوني: فالبقالي يتابع بتهمة عدم التبليغ عن وقوع جناية، وهي تهمة محددة ينبغي على المحكمة التحقق من عناصرها وأدلتها، ولا يجوز الخلط بينها وبين التهم الأخرى المتعلقة بتبديد الأموال العمومية والتزوير والرشوة واستغلال النفوذ، المنسوبة إلى متهمين آخرين في الملف.
مسؤولية العمدة تحت المجهر.. لا حصانة للمناصب أمام القانون
إن وجود عمدة فاس داخل هذا الملف بصفته متهما يجعل مسؤوليته القضائية مسألة مطروحة أمام المحكمة بصورة مباشرة، ويضع مسار القضية أمام اختبار حقيقي لمدى القدرة على كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، بعيدا عن المواقع السياسية والإدارية للأشخاص المعنيين.
فالمسؤول الذي يتولى تدبير شؤون مدينة بحجم فاس لا يواجه فقط أسئلة تتعلق بأدائه اليومي، بل يتحمل أيضا مسؤولية سياسية وأخلاقية أمام المواطنين الذين ينتظرون مؤسسات نزيهة، وتدبيرا شفافا للصفقات والعقود والموارد العمومية. غير أن المسؤولية السياسية والأخلاقية تظل مختلفة عن المسؤولية الجنائية التي لا تثبت إلا وفق القانون وبموجب حكم قضائي.
وفي هذا السياق، فإن المتابعة القضائية للبقالي بسبب عدم التبليغ عن وقوع جناية تطرح سؤالا جوهريا يتعلق بمدى توافر العناصر القانونية لهذه الجريمة، وما إذا كانت الأدلة المتوفرة كافية لإثبات الوقائع المنسوبة إليه. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تنصب عليها المحاكمة المقبلة، حتى لا تتحول القضية إلى مجرد سجال سياسي، أو إلى أحكام مسبقة تتجاوز ما يمكن أن يثبته القضاء.
إن الحزم في تطبيق القانون لا يعني افتراض الإدانة قبل صدور الحكم، كما أن احترام قرينة البراءة لا يعني تعطيل المساءلة أو التقليل من أهمية الاتهامات. بل إن العدالة الحقيقية تقتضي إخضاع كل المعنيين بالملف للقواعد نفسها، وتمكين الدفاع من حقوقه كاملة، ومناقشة الأدلة بجدية، ثم إصدار حكم معلل يستند إلى ما ثبت أمام الهيئة القضائية.
ملف البوصيري.. قضية تتجاوز أسماء المتابعين إلى أسئلة تدبير الجماعة
وتعود خلفيات القضية إلى الملف المعروف إعلاميا بملف فساد جماعة فاس، الذي ارتبط بشبهات واختلالات في تدبير صفقات وعقود جماعية، وشمل البرلماني الاتحادي السابق ونائب العمدة السابق عبد القادر البوصيري، إلى جانب موظفين ومقاولين وأطراف أخرى.
وكانت غرفة الجنايات الاستئنافية المكلفة بالبت في جرائم الأموال قد ألغت، في يونيو 2024، حكم البراءة الابتدائي الصادر في حق البقالي وسفيان الدريسي، وقضت بإدانة كل واحد منهما بستة أشهر حبسا نافذا. كما رفعت العقوبة المحكوم بها على عبد القادر البوصيري من خمس سنوات إلى ثماني سنوات سجنا نافذا، وشملت تعديلات الأحكام متهمين آخرين في القضية.
غير أن قبول الطعون ونقض القرار الاستئنافي المتعلق بالمتهمين المعنيين وإعادة إحالة الملف على هيئة جديدة يعني أن المحكمة مطالبة بالنظر في القضية مجددا وفق المسطرة القانونية، ولا يجوز التعامل مع الحكم السابق باعتباره إدانة نهائية قائمة في حق البقالي بعد نقضه.
ويظل الفرق أساسيا بين متابعة العمدة بتهمة عدم التبليغ عن جناية وبين الاتهامات المالية والإدارية الأخرى التي يتابع بها بعض المتهمين. فالمحاكمة الجديدة مطالبة بتحديد ما إذا كانت الوقائع المنسوبة إلى كل واحد منهم ثابتة، وما إذا كانت الأدلة تستوفي الشروط اللازمة لترتيب المسؤولية الجنائية.
ومع ذلك، فإن إعادة فتح الملف أمام هيئة قضائية جديدة تمنح القضاء فرصة لإعادة فحص العناصر المعروضة عليه، وتمنح الرأي العام المحلي مناسبة لمتابعة مآل قضية تمس الثقة في تدبير الشأن الجماعي. فالمواطن الفاسي يريد أجوبة واضحة بشأن ما جرى داخل المؤسسة المنتخبة، ويريد أن يرى أن قواعد المحاسبة لا تتغير بتغير صفة المتابع أو موقعه.
التاسع من نونبر.. موعد جديد مع أسئلة الحقيقة والمحاسبة
ومن المنتظر أن تستأنف غرفة الجنايات الاستئنافية بعد النقض النظر في الملف يوم 9 نونبر المقبل، في انتظار استكمال الإجراءات اللازمة وتمكين الأطراف من ممارسة حقوق الدفاع، قبل أن تتضح الخطوات اللاحقة في هذه المحاكمة.
وتتجه الأنظار إلى الجلسة المقبلة لمعرفة كيفية مناقشة الوقائع والأدلة، وما إذا كانت عناصر الاتهام ستصمد أمام المناقشة القضائية أم ستظهر معطيات أخرى مؤثرة في تقدير الملف. أما الجزم بالإدانة أو البراءة قبل انتهاء المحاكمة، فلا يخدم الحقيقة ولا ينسجم مع مبدأ استقلال القضاء.
والرسالة الأهم في هذه القضية هي أن تطبيق القانون ينبغي ألا يخضع للاعتبارات السياسية أو الحسابات الحزبية أو حساسية المناصب. فإذا ثبتت التهم المنسوبة إلى أي متهم، وجب ترتيب الآثار القانونية المقررة، وإذا لم تثبت، وجب احترام ما تقرره المحكمة. فالمحاسبة ليست انتقاما، وقرينة البراءة ليست امتيازا يمنح للمسؤولين دون غيرهم، بل هما ركنان أساسيان في دولة القانون.
إن فاس، بما تمثله من ثقل تاريخي ومؤسساتي، تستحق أن تتعزز الثقة في مؤسساتها المنتخبة، وأن تكون تدبيراتها المالية والإدارية موضوع مراقبة ومساءلة فعليتين. ومن هذا المنطلق، فإن قضية البقالي ومن معه لا ينبغي اختزالها في تأجيل جلسة أو استحضار حكم سابق، بل في ضرورة الوصول إلى الحقيقة القضائية وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة.
وبين قرار النقض والموعد القضائي الجديد، تبقى الكلمة الفصل للقضاء. فلا منصب العمدة ينبغي أن يحول دون المساءلة، ولا الاتهام وحده يكفي لإثبات الجريمة. وما ينتظره الرأي العام هو محاكمة جادة وشفافة، وتطبيق للقانون على الجميع دون استثناء، بما يصون المال العام ويعزز الثقة في العدالة والمؤسسات.






