سياسة

من يحرك الشارع؟: غياب حكومة أخنوش يُشعل فتيل الاحتجاجات في ظل دينامية دبلوماسية حساسة

مقال إخباري تحليلي من إعداد:عبدالله مشواحي الريفي

الدار البيضاء وطنجة تهتزان غضباً ضد “سفن الحرب” المتجهة لإسرائيل، والرباط ومراكش تشهدان زحفاً أمازيغياً غير مسبوق للمطالبة بالإنصاف… فهل تساهم الحكومة بغيابها في تأجيج الاحتقان الاجتماعي في توقيت بالغ الحساسية؟

يشهد المغرب في الآونة الأخيرة حراكاً اجتماعياً وسياسياً لافتاً، يتجلى في موجة من الاحتجاجات التي تضرب مدن المملكة بوتيرة متصاعدة. فبينما خرجت حشود غاضبة في الدار البيضاء وطنجة للتعبير عن رفضها لما يُشاع عن سماح الحكومة برسو سفن أجنبية يُرجح أنها تحمل معدات حربية متجهة إلى إسرائيل،  بعد ان قررت الحكومة ابتلاع لسانها وعدم كشف الحقيقية بان هناك جهات خارجية تستهدف المغرب من اجل النيل من ميناء طنجة المتوسط  لصالح موانىء عالمية منافسة،و ان السلاخ ما هو الا استراتجية اقتصادية محكمة ، بجهة اخرى اهتزت الرباط ومراكش على وقع مسيرات غير مسبوقة يقودها نشطاء أمازيغ يرفعون مطالب تتعلق برفع المظالم التاريخية والتهميش والإقصاء و خاصة فيما يقع بمناطق زلزال الحوز،و هو ما يساءل نجاعة الحكومة في وضع الرأي العام في الحقائق.

هذا المشهد الاحتجاجي المتزامن يطرح تساؤلات جوهرية حول الجهات الفاعلة التي تقف وراء هذه التحركات، والدوافع الكامنة وراء تصاعدها في هذا التوقيت بالذات، خاصة وأن المغرب يشهد حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لحل قضية الصحراء المغربية. كما يثير التساؤل حول موقف حكومة أخنوش الغائب إزاء هذه الاحتجاجات المتنوعة، وقدرتها على استيعاب المطالب المتزايدة في ظل تراجع نفوذ الأحزاب التقليدية.

غضب الشارع المغربي: فلسطين في القلب، والأمازيغ يرفعون الصوت عالياً

لم تكن قضية فلسطين يوماً بعيدة عن اهتمامات الشارع المغربي، وقد عملت حرب غزة الأخيرة على تأجيج المشاعر وتوحيد صفوف المتضامنين. التيار الإسلامي، وفلول اليسار  الذي قاد في السابق العديد من المسيرات والاحتجاجات نصرة للقضية الفلسطينية، يبدو أنه يحاول استثمار تجارة الأزمات السياسية من خلال هذا الزخم الشعبي للعودة بقوة إلى الساحة بعد فترة من التراجع النسبي عقب تداعيات “الربيع العربي”. فالمطالبة بمنع رسو السفن الأجنبية التي يُزعم أنها تحمل أسلحة لإسرائيل تمثل فرصة سانحة لهذا التيار لإعادة تموضع نفسه كقوة ضغط رئيسية في البلاد، مستفيداً من الغضب العارم الذي يسود الأوساط الشعبية .

في المقابل، يبرز الحراك الأمازيغي كقوة احتجاجية جديدة نسبياً، وإن كانت جذوره ضاربة في عمق التاريخ المغربي. فالمسيرات التي شهدتها الرباط ومراكش، والتي تعتبر الأولى من نوعها من حيث التنظيم والحجم، تعكس إصراراً متزايداً لدى الأمازيغ على إسماع صوتهم والمطالبة بإنهاء سنوات من التهميش والإقصاء الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. هذا الظهور القوي للحركة الأمازيغية في هذا التوقيت الحساس يمكن قراءته كرسالة واضحة إلى الحكومة والأحزاب السياسية بضرورة أخذ مطالبهم على محمل الجد، وعدم تجاهل قضاياهم في خضم الأولويات الأخرى.

تراجع الأحزاب التقليدية: فراغ سياسي يغذي الاحتجاجات؟

يُلاحظ في المقابل تراجع ملحوظ في نفوذ الأحزاب السياسية التقليدية و نهاية قدرتها على تعبئة الشارع واحتواء الغضب الشعبي. هذا التراجع يعزى في جزء كبير منه إلى فقدان الثقة بين المواطنين وهذه الأحزاب، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها “دكاكين سياسية” لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة ومواقعها مع اقتراب كل استحقاق انتخابي. كما أن ضعف التنظيمات الشبابية داخل هذه الأحزاب، والتي قُتلت بفعل غياب الرؤية والاستراتيجية، يجعلها غير قادرة على اختراق الصفوف الأمامية للاحتجاجات أو تقديم بديل مقنع للشباب الساخط.

في هذا السياق، تبرز جماعة العدل والإحسان كفاعل اجتماعي وسياسي لا يمكن تجاهله. فبينما عانت الأحزاب التقليدية من تآكل قاعدتها الشبابية، عملت الجماعة على بناء تنظيم شبابي قوي ومنظم على مدى السنوات الماضية، مما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في الشارع وتوجيه بعض التحركات الاحتجاجية، وإن كانت لا تعلن عن ذلك بشكل مباشر،شأنها شأن حركة التوحيد و الإصلاح الدراع الدعوي لحزب العدالة و التنمية و الذي قاطع الحزب في دعمه خلال انتخابات 2021، و كل المؤشرات تؤكد عودته إلى الساحة ولز بزخم متراجع عما كان في السابق.

حكومة أخنوش: غياب تواصلي وتأجيج غير مباشر للاحتجاجات

حتى الآن، يبدو موقف حكومة أخنوش إزاء هذه الموجة من الاحتجاجات حذراً ومتريثاً، مع غياب شبه تام للتواصل الرسمي المباشر مع المواطنين. لم يصدر أي تعليق رسمي رفيع المستوى حول هذه التحركات، باستثناء بعض التصريحات  التي تقلل من شأنها أو تحاول ربطها بأجندات خارجية. هذا الصمت الحكومي يُفسر على أنه دليل على فشل تواصلي واضح، ويزيد من شعور المحتجين بالإحباط والتجاهل، مما قد يدفعهم إلى تصعيد تحركاتهم.

إن غياب الحكومة عن المشهد، وعدم قدرتها على استيعاب الغضب الشعبي، يساهم بشكل مباشر في تأجيج الاحتجاجات. فبدلاً من فتح قنوات حوار جادة ومسؤولة، تكتفي الحكومة بمراقبة الوضع عن كثب، وهو ما يترك المجال مفتوحاً للتكهنات والتأويلات، ويزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي.

توقيت بالغ الحساسية: الدينامية الدبلوماسية في خطر؟

إن تزامن هذه الاحتجاجات مع الدينامية الدبلوماسية التي يشهدها المغرب على صعيد قضية الصحراء المغربية يثير مخاوف جدية. ففي الوقت الذي تحقق فيه المملكة مكاسب دبلوماسية مهمة على هذا الصعيد، قد تؤدي هذه الاضطرابات الاجتماعية الداخلية إلى التشويش  على قوة  التفاوض وتقديم صورة سلبية عن الانتصارات الخارجية.

هناك من يرى أن بعض الأطراف الداخلية أو الخارجية قد تستغل هذا الوضع لزعزعة الاستقرار وتقويض الجهود الدبلوماسية المبذولة لحل قضية الصحراء. وبالتالي، فإن التعامل الحكيم والمسؤول مع هذه الاحتجاجات يصبح ضرورة ملحة للحفاظ على المكاسب الدبلوماسية وتعزيز الجبهة الداخلية.

تحليل المعطيات: تقاطع مصالح أم غضب عفوي؟

بالنظر إلى المعطيات المتوفرة، يمكن القول إن الاحتجاجات الحالية في المغرب هي نتاج لتراكم عدة عوامل متداخلة. فغضب الشارع من القضية الفلسطينية، الذي يمثل قاسماً مشتركاً بين مختلف شرائح المجتمع، يجد طريقه للتعبير من خلال الاحتجاجات ضد ما يُشاع عن دعم غير مباشر لإسرائيل. في المقابل، يمثل الحراك الأمازيغي تعبيراً عن مطالب تاريخية بالإنصاف والاعتراف، استغل أصحابه هذا التوقيت لإبراز قوتهم وحضورهم كفاعل أساسي في المشهد الاجتماعي والسياسي.

أما عن الجهات التي “تحرك” هذه الاحتجاجات، فمن الصعب تقديم جواب قاطع ونهائي. يبدو أن هناك تفاعلاً معقداً بين دوافع عفوية نابعة من الغضب الشعبي والإحساس بالظلم، وبين جهود تنظيمية تقف على الهامش و لا ترغب في دخول المعترك تقوم بها بعض القوى السياسية والاجتماعية، سواء كانت إسلامية أو أمازيغية أو غيرها، والتي تسعى لاستثمار هذا الزخم لتحقيق أهدافها الخاصة.

في النهاية، يبقى مستقبل هذه الاحتجاجات ومآلاتها مرهوناً بقدرة حكومة أخنوش على استيعاب المطالب المشروعة للمحتجين، وفتح قنوات حوار جادة ومسؤولة، وتقديم حلول واقعية للمشاكل التي تؤرق المواطنين. فتجاهل هذه الأصوات المتصاعدة قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان وعدم الاستقرار، وهو ما لا يخدم مصلحة المغرب في هذا الظرف الدقيق. إن التعامل بحكمة وتبصر مع هذا الحراك الاجتماعي المتنوع هو السبيل الأمثل للحفاظ على الاستقرار وتعزيز المسار التنموي والديمقراطي في البلاد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى