سياسة

ملف الأحد :”2026 على الطريق: البرلمان يحسم قواعد الترشح والتمويل الانتخابي لضمان نزاهة الاستحقاقات”

ملف الأحد – إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

1. لجنة الداخلية: خطوة تشريعية تاريخية قبل انتخابات 2026

في خطوة تشريعية مثيرة، أنهت لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة بمجلس النواب، أواخر نوفمبر 2025، مرحلة النقاش التقني المفتوح حول مشاريع القوانين التنظيمية المرتبطة بالمنظومة الانتخابية. هذه المرحلة لم تكن مجرد مناقشة روتينية؛ بل تشكل لحظة فارقة في مسار الإصلاح السياسي المغربي قبل انتخابات 2026، حيث وضعت الخطوط العريضة لتعديل قواعد اللعبة السياسية، بما يعكس إرادة واضحة لترسيخ الشفافية والنزاهة في العملية الانتخابية، والحد من النفوذ المالي والسياسي الذي طالما أعاق التنافس النزيه.

التحرك التشريعي هذا جاء بعد سلسلة لقاءات موسعة قادها وزير الداخلية مع قادة الأحزاب والفاعلين السياسيين، بغطاء واضح من الحكومة وبتوجيهات ملكية حاسمة، تؤكد ضرورة إعداد إطار قانوني شامل للاستحقاقات الانتخابية قبل نهاية السنة الجارية، لضمان أن تكون الانتخابات المقبلة محطة نوعية لتجديد الحياة السياسية وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.

2. نقاشات حادة داخل اللجنة: النزاهة والحقوق الأساسية

المناقشات داخل اللجنة اتسمت بحدة فنية وسياسية، حيث طاولت النصوص جوانب مالية وإجرائية وقواعد تصفية القوائم من الأسماء المثيرة للشكوك، مع مراعاة الحقوق الدستورية المتعلقة بحرية الترشح. العنصر الأكثر جدلية كان بند “مقصلة النزاهة”، الذي يقيد الترشح على من صدرت في حقه أحكام قضائية نهائية، بهدف حماية العملية الانتخابية من النفوذ غير المشروع واستبعاد الأعيان الذين يعتمدون على المال والنفوذ بدل البرامج والمصداقية.

المؤيدون اعتبروا هذا البند خطوة حاسمة لاستئصال ثقافة “المن يحميه”، بينما حذر المعارضون من أي تطبيق قد يمس مبادئ العدالة أو يؤدي إلى استبعاد سياسيين ما زالت منازعاتهم القضائية جارية، ما يطرح تحدياً دستورياً عند الانتقال إلى الجلسة العامة ومجلس المستشارين، قبل المراجعة النهائية أمام المحكمة الدستورية.

3. تشجيع الشباب: آليات تمويلية مبتكرة

على مستوى تحفيز المشاركة الشبابية، طرحت وزارة الداخلية آلية تمويلية غير مسبوقة للشباب دون 35 سنة، تشمل تغطية نسبة مهمة من مصاريف الحملات الانتخابية في حال التزامهم بمعايير الشفافية والمحاسبة الدقيقة، وقد تصل هذه النسبة إلى 75%. الهدف من هذه المبادرة هو إزالة العوائق المالية أمام دخول شبان كفءين إلى معترك السياسة، ما قد يساهم في تجديد النخب وإدخال دماء جديدة قادرة على تقديم برامج فاعلة للمواطنين.

لكن هذه الآلية تحتاج إلى ضوابط صارمة لضمان عدم تحوّل الدعم إلى أداة لتعويض المال السياسي المشبوه. ويُعد تدقيق المصاريف عبر خبراء محاسبين مستقلين، ونشر البيانات المالية بآليات شفافة، ركيزة أساسية لضمان نزاهة هذه العملية. أي قصور في الرقابة قد يفتح ثغرات جديدة ويعقد فعالية الإصلاحات، ما يجعل دور الإدارة والقضاء والمجتمع المدني حيوياً في مراقبة تطبيقها.

4. التصويت داخل اللجنة: خطوة إلى الأمام

بعد جلسة مطوّلة، حصل مشروعا القانونين المتعلقان بالأحزاب واللوائح الانتخابية على موافقة أغلبية أعضاء اللجنة. هذا التصويت يضع النصوص على أعتاب الجلسة العامة لمجلس النواب، ومن ثم مجلس المستشارين، قبل مراجعتها النهائية أمام المحكمة الدستورية. مصادقة اللجنة على الخطوط العريضة يعني أن الإصلاح أصبح قابلاً للتطبيق، فيما تبقى التفاصيل الدقيقة، مثل شروط الترشح أو نسب الدعم الشبابي، محل نقاش حاد بين الفاعلين السياسيين والقانونيين.

هذا التصويت يعتبر ضمانة شبه مؤكدة لمرور النصوص في البرلمان، لكنه أيضاً اختبار لقدرة الائتلاف الحكومي على توحيد مواقف أحزابه والحفاظ على التوافقات السياسية الضرورية قبل انطلاق موسم الاقتراع.

5. التأثير على الأحزاب الكبرى: تنقية اللوائح وهندسة النخب

التطبيق الصارم لمعايير النزاهة سيجبر الأحزاب الكبرى على إعادة ترتيب قوائمها وتنقية الأسماء المثيرة للجدل، ما يفتح الباب أمام هندسة جديدة للنخب المحلية. كما أن تشجيع الشباب قد يولد منافسات داخلية جديدة، ويجبر الأحزاب على اختبار برامجها ومصداقيتها على الأرض، بدلاً من الاعتماد على شبكات الدعم التقليدية أو المال السياسي.

من جهة أخرى، الحفاظ على القاسم الانتخابي كما هو يعني أن المنافسة ستظل رهينة توزيع الأصوات، ما قد يضطر بعض الأحزاب إلى سياسات حشد تقليدية. إلا أن ضبط التمويل وفرض الشفافية قد يخلق معادلة جديدة تجعل الاستثمار في البرامج والمصداقية أولوية، وهو ما سيحدد ملامح الانتخابات المقبلة.

6. القاسم الانتخابي والرهانات المحلية

بقاء القاسم الانتخابي على أساس المسجلين يطرح تحديات واضحة، حيث يظل توزيع الأصوات عاملاً حاسماً في تحقيق الأغلبية، ويجعل المنافسة السياسية رهينة إدارة القواعد الانتخابية المحلية. في المقابل، الإجراءات الجديدة لرقابة التمويل وفرض النزاهة قد تضع ضغطاً على الأحزاب الكبرى لتبني سياسات أكثر حداثة، تركز على البرامج الحقيقية بدلاً من الاعتماد على المال أو النفوذ التقليدي.

في هذا السياق، يظل دور المجتمع المدني والإعلام والقضاء المستقل أساسياً لضمان تطبيق النصوص بشكل فعلي، ومنع أي محاولات لإضعاف أثر الإصلاحات قبل الاقتراع.

7. سيناريوهان محتملان قبل انتخابات 2026

قبل وصول الناخبين إلى صناديق الاقتراع، هناك احتمالان:

  1. تنفيذ منضبط وشفاف للنصوص: يؤدي إلى انتخابات تحفل بنخبة شابة ونسب اجتياز أعلى لمعايير النزاهة، مع منافسة قائمة على البرامج والمصداقية.

  2. تشويه النصوص لتراعي المصالح الحزبية قصيرة المدى: يضعف أدوات مكافحة المال السياسي ويُبقي اللعبة الانتخابية على نسقها التقليدي، ما يحول الانتخابات إلى مجرد استحقاق شكلي دون تعزيز التنافس الشريف.

بين هذين السيناريوهين تكمن أهمية المرافعة السياسية والمجتمعية، ودور الإعلام في كشف التجاوزات، وضمان التفاعل الجاد للهيئات الحقوقية مع عملية الإصلاح.

8. دور جلالة الملك محمد السادس: الريادة في تخليق الحياة السياسية

في سياق هذه الدينامية، يبرز الدور المحوري لجلالة الملك محمد السادس، الذي يحرص منذ سنوات على دعوة الأحزاب إلى تخليق الحياة السياسية، وتعزيز النزاهة في الانتخابات، وتفعيل آليات الديمقراطية المؤسسية بكامل أبعادها. فقد أكد جلالته مراراً أن الانتخابات يجب أن تكون تجسيداً حقيقياً لإرادة الشعب، مع احترام الشفافية والمنافسة العادلة، وضمان تمثيلية حقيقية للمواطنين.

هذه التوجيهات الملكية تشكل الإطار المرجعي الأساسي لكل خطوات الحكومة والبرلمان في إعداد التشريعات الانتخابية، وتضمن أن تصبح انتخابات 2026 محطة نوعية لتجديد الحياة السياسية المغربية، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتقوية المناعة الوطنية ضد مظاهر الفساد المالي والسياسي، وتأكيد أن التنافس السياسي يجب أن يقوم على البرامج والكفاءات، لا المال أو النفوذ.

9.  انتخابات 2026 نقطة تحول

إن ما جرى داخل لجنة الداخلية ليس مجرد تعديل تشريعي عابر، بل محاولة لتقعيد قواعد الانتخابات المغربية، لتصبح أكثر نزاهة وشفافية. نجاح هذا المسار سيقاس بمدى الالتزام الفعلي من الحكومة والبرلمان والإدارة والقضاء والمجتمع المدني، وبقدرة الإعلام على مراقبة التطبيق. الانتخابات القادمة يمكن أن تكون محطة تأسيسية حقيقية لإعادة بناء الثقة في المؤسسات السياسية و الحكم على المغرب بالسير بثبات الى 2030، وتحقيق مشاركة شبابية أوسع، وتعزيز قيم الديمقراطية الحقيقية في المملكة، إذا ما تمت ترجمة النصوص إلى أفعال ملموسة وفعّالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى