ملف الأحد | برلمان المصالح: حين تتحول القبة التشريعية إلى منصة للابتزاز السياسي ..“صفقات البهو”، و”أسئلة المقايضة”، و”الولاءات الحزبية الضيقة”

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون البرلمان المغربي منبرًا للدفاع عن قضايا المواطنين، وصوتًا رقابيًا يواجه تغوّل السلطة التنفيذية، تشهد قبة البرلمان تحوّلات خطيرة تُفرغها من مضمونها الدستوري وتحوّلها تدريجيًا إلى ساحة صفقات شخصية، وصندوق بريد للطلبات الخاصة التي يمررها بعض النواب والبرلمانيين باسم “الرقابة”.
من برلماني يضغط على وزير الفلاحة لإنقاذ مشروعه الفاشل، إلى برلمانية تستغل موقعها لطرح سؤال يخدم جمعيتها التي تنشط تحت غطاء “العمل المدني”، ومن آخر يُحاصر الوزيرة في بهو البرلمان لدفعها نحو تيسير مشروع استثماري، تتعدد الوقائع، لكن النتيجة واحدة: تآكل هيبة المؤسسة التشريعية، وانزياح متواصل عن الدور الدستوري المفترض.
▪ من التشريع إلى “السمسرة السياسية”
البرلمان المغربي، الذي يُفترض فيه أن يُشرّع القوانين ويعارض السياسات التي تمس الطبقات الهشة، بدأ يتحول شيئًا فشيئًا إلى “فضاء تفاوضي” بين نوابٍ يُريدون تمرير مصالح ضيقة، ووزراء يفضّلون “شراء الصمت” على مواجهة الإحراج في جلسات البث المباشر.
في مشهد تراجيدي يعكس هذا الانحراف، تُطرح أسئلة شفهية وكتابية بشكل مدروس، لا لغاية المراقبة أو التنبيه، بل كورقة ضغط من أجل ترخيص مشروع، أو تعديل قرار إداري يخدم دائرة انتخابية لأغراض انتخابوية بحتة. وبدل أن تكون الأسئلة أداة لتنوير الرأي العام، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى وسيلة لتصفية الحسابات أو جني الامتيازات.
▪ “جمعيات” تحت قبة البرلمان: واجهة مدنية بمصالح خفية
ضمن المشهد نفسه، برزت ظاهرة جديدة تستحق التوقف: برلمانيون ينشطون في جمعيات مدنية، ويستغلون موقعهم داخل المؤسسة التشريعية للترويج لمشاريع تلك الجمعيات، أو الضغط لتسريع تمويلها. إحدى البرلمانيات طرحت مؤخرًا سؤالًا حول وضعية الجمعيات، لكن من يعرف كواليس البرلمان، يدرك أن الجمعية التي تقودها هي المستفيدة الأساسية من هذا النوع من “الترافع التمويلي”.
هذا التداخل بين العمل التشريعي والنشاط الجمعوي يُنتج تضاربًا صارخًا في المصالح، ويُفرغ دور الرقابة من مضمونه، خصوصًا إذا ما اقترن برغبة في استغلال العلاقات الحكومية لتحقيق أهداف ذاتية مغلّفة بلغة الدفاع عن “العمل المدني”.
▪ بهو البرلمان… مسرح الصفقات “الجانبية”
ما لا يُقال في الجلسات يُقال في الكواليس. فبمجرد انتهاء الجلسات، يتحوّل بهو البرلمان إلى ساحة مفتوحة للمفاوضات الفردية، حيث يتجمهر بعض النواب حول الوزراء، لا للنقاش المؤسساتي، بل لتقديم “طلبات خاصة” تتراوح بين توظيف الأقارب، ونقل الموظفين، وتيسير الإجراءات الإدارية، وأحيانًا حتى إلغاء الغرامات والجزاءات.
هذه الظاهرة المتنامية تعكس تحوّل البهو البرلماني من فضاء للنقاش السياسي إلى سوق خلفية تُدار فيه صفقات صغيرة ذات طابع شخصي، بعيدًا عن الرقابة المؤسساتية.
▪ من “إسكوبار الصحراء” إلى “مبدع”: الفساد يصل قلب المؤسسة
تُعزز هذه الانحرافات بالوقائع القضائية المتزايدة حول تورط بعض البرلمانيين في ملفات فساد خطيرة. من قضية الوزير السابق محمد مبدع، إلى ملفات سعيد الناصري المعروفة إعلاميًا بـ“إسكوبار الصحراء” الى ومحمد بودريقة المشهور رياضيا و كان رئيس سابق للرجاء البيضاوي، مرورًا بتقارير متابعة نحو 34 برلمانيًا بتهم تتعلق بالتلاعب في المال العام، واستغلال النفوذ، وتسهيل الصفقات، تبرز ملامح مأساة مؤسساتية تعصف بصورة البرلمان.
ما يثير القلق هو أن بعض هؤلاء استغلوا الحصانة البرلمانية للتهرب من المتابعة القضائية، بينما استفاد آخرون من الامتيازات غير المستحقة، كالإقامة الفندقية الفاخرة والنقل المجاني و التغذية و المحروقات، في تجاوز صارخ للأخلاق السياسية.
▪ البرلمان يفقد شرعيته التمثيلية.. والمواطن يراقب بصمت
أمام هذا الواقع، باتت المؤسسة البرلمانية، التي يُفترض أنها مرآة للمجتمع، فاقدة تدريجيًا لشرعيتها التمثيلية، بعد أن صار المواطن يرى في بعض نوابه “وسطاء مصالح” أكثر منهم مدافعين عن الشعب.
المفارقة أن قضايا الوحدة الوطنية، والتعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية، قلّما تُطرح بجدية داخل البرلمان، مقابل زخم من الأسئلة “المفصلة” على مقاس المقاولات والجمعيات والمشاريع الفردية.
فما الجدوى من مؤسسة تشريعية لا تُشرّع إلا نادرًا، وتُراقب على استحياء، وتُسائل فقط حين يتعلق الأمر بمصالح أعضائها؟
. مطالب بتنزيل الرسالة الملكية
وفي خضم هذا الانحراف المتزايد عن الوظيفة التشريعية، تبرز الرسالة الملكية السامية التي وجّهها جلالة الملك محمد السادس بتاريخ 17 يناير 2024، إلى البرلمانيين والفاعلين السياسيين، كنداء صريح لتصحيح البوصلة. فقد أكد الملك بوضوح على أن تخليق الحياة السياسية والبرلمانية لم يعد ترفًا أخلاقيًا، بل هو ركيزة أساسية لبناء دولة القانون وديمقراطية فعالة. ودعا جلالته المؤسسة التشريعية إلى أن تكون قدوة في النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا ساحة لتضارب المصالح واستغلال النفوذ. هذه الرسالة، التي تزامنت مع الذكرى الستين لتأسيس البرلمان المغربي، تُعدّ وثيقة مرجعية في مسار الإصلاح السياسي، وتضع البرلمانيين أمام مسؤولية تاريخية لاسترجاع ثقة المواطن، وإعادة الاعتبار لدورهم كمشرعين ورقباء، لا كممثلين لمصالحهم الخاصة.
وتُعدّ رسالة جلالة الملك محمد السادس إلى البرلمانيين والفاعلين السياسيين بشأن تخليق الحياة السياسية والبرلمانية ركيزة أساسية في مسار الإصلاح بالمغرب. هذه الرسالة ليست مجرد توجيه، بل هي دعوة صريحة ومُلحة لترسيخ قيم النزاهة، الشفافية، والمسؤولية داخل المؤسسة التشريعية. وتأتي في سياق يطالب فيه الرأي العام بتطهير المشهد السياسي من كل أشكال الفساد واستغلال النفوذ، مؤكدة على أن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس خيارًا، بل ضرورة ملحة لبناء ديمقراطية حقيقية وفعالة. فالملك يدعو البرلمان ليكون قدوة في خدمة الصالح العام، بعيدًا عن المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة.
▪ الإصلاح يبدأ من الداخل: أخلاقيات البرلمان أولًا
إن استعادة مصداقية البرلمان المغربي تستوجب مراجعة عميقة للمنظومة الداخلية التي تُديره، بدءًا من مدونة الأخلاقيات التي يجب أن تُفعّل بصرامة، مرورًا بمساطر المساءلة، وانتهاءً بالتكوين المستمر للنواب، حتى يفهموا مهامهم الدستورية لا فقط أدوارهم الانتخابية.
على البرلمان أن يعود إلى أصل وظيفته: التشريع من أجل الشعب، لا من أجل الأفراد. وأن يتحرّر من “صفقات البهو”، و”أسئلة المقايضة”، و”الولاءات الحزبية الضيقة” التي تعرقل الترافع الوطني.
▪ نحو جبهة شعبية من أجل برلمان فعّال
المطلوب اليوم ليس فقط إصلاح القوانين الداخلية، بل تحرك شعبي وإعلامي وجمعوي واسع يفرض الرقابة من خارج القبة، ويُطالب بفتح ملفات الفساد البرلماني أمام الرأي العام، ويعيد الاعتبار لدور النائب كمُمثل للأمة وليس كمُنفّذ لأجندة ذاتية.
على النقابات، وهيئات المجتمع المدني، والأحزاب الحقيقية و المواطن الذي يمثل الكتلة الناخبة، أن تتكتل من أجل الدفع بتطهير البرلمان من “أشباه الممثلين”، والمطالبة بربط المسؤولية بالمحاسبة داخل القبة، أسوة بباقي مؤسسات الدولة.
ما تعيشه قبة البرلمان اليوم ليس مجرد انزياح عرضي عن الدور الدستوري، بل هو تآكل ممنهج يُهدد الثقة في الديمقراطية التمثيلية برمتها. فإن لم يتم التصدي لهذا “الزحف النفعي” بقوة القانون وصوت الشارع، فإن القبة ستتحوّل من مؤسسة دستورية إلى مسرح عبثي تُمثّل فيه مصالح الأفراد على حساب مصلحة الأمة.






