مقال تحليلي :تحديات كبرى تواجه حزب الاتحاد الاشتراكي واحتدام الجدل حول قيادة جديدة في ظل أزمات إدريس لشكر

مع اقتراب المؤتمر الوطني الثاني عشر لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تتزايد التكهنات حول مستقبل قيادة الحزب التاريخي، الذي يواجه موجة من الانتقادات الداخلية والخارجية نتيجة تراجع دوره السياسي، وتصاعد الأزمات التنظيمية والإدارية خلال فترة الكاتب الأول الحالي إدريس لشكر.
لم يغب عن المشهد السياسي أن عهد إدريس لشكر شهد سلسلة من الفضائح التي أثرت على صورة الحزب، من بينها اتهامات فساد وهدر للمال العام، خاصة في ملفات متعلقة بتمرير صفقات مشبوهة. أبرز هذه الملفات التي أثارت الجدل، تورطه في صفقة مكتب الدراسات التي أُفيد بأن نجل لشكر كان مستفيداً مباشراً منها، مما أثار انتقادات واسعة داخل صفوف الحزب وخارجه.
كما أثارت مواقف لشكر السياسية جدلاً كبيراً، خصوصاً بعد التراجع عن دعم القضية الفلسطينية بشكل واضح، حيث وصفه خصومه بأنه انحرف عن المبادئ التي كان يتبناها الحزب تاريخياً، في ما اعتبره البعض “خيانة للموقف الرسمي والتزام المعارضة”. وقد أدى انسحابه المفاجئ من ملتمس الرقابة الذي كان يشارك فيه الحزب إلى اتهامات بالتنازل والتخاذل أمام التحالفات الحكومية، وهو ما وصفه قادة سياسيون بأنه “تنازل مدروس” أدى إلى تآكل ثقة القاعدة الشعبية.
الانتقادات الحادة التي واجهها لشكر، إضافة إلى ضعف أداء الحزب في الانتخابات الأخيرة، أدت إلى تزايد الأصوات المطالبة بتجديد القيادة، خاصة من الأجيال الجديدة داخل الحزب ومن بعض الوجوه التي ما زالت تحظى بثقة الاتحاديين.
في هذا السياق، برز اسم محمد الكحص، الوزير السابق والقيادي المخضرم، كمرشح بارز لخلافة لشكر. يعرف الكحص بأنه شخصية تتمتع باحترام واسع في الأوساط الحزبية والسياسية، ويُنظر إليه كخيار لإعادة التوازن والتنظيم داخل الحزب، بعد سنوات من التراجع وعدم الاستقرار. غير أن هذا التوجه قد يواجه عقبات تنظيمية، لا سيما المتعلقة بإجراءات الالتزام داخل الحزب التي قد تعرقل أو تؤخر تغييرات القيادة.
في الوقت الذي يتم فيه الحديث عن الكحص كمرشح محتمل، أعلن عبد الله الماليحي، أحد الوجوه الاتحادية المعروفة، عبر منصات التواصل الاجتماعي عن انضمامه رسمياً إلى اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني، معلناً ترشحه لمنصب الكاتب الأول، ما يفتح باب المنافسة الحزبية على منصب القيادة أمام الكحص ومرشحين آخرين محتملين.
يتجه حزب الاتحاد الاشتراكي نحو مؤتمر وطني حاسم سيكون اختباراً لقدرة الحزب على تجاوز أزماته وإعادة بناء هويته، وسط ضغوط متزايدة لتجاوز حالة الضعف التي يعيشها، والتي انعكست على وضعه داخل المشهد السياسي المغربي. هذا المؤتمر سيكون الفرصة أمام الحزب ليحدد خارطة طريق جديدة تخرج به من أزمته الحالية، سواء عبر انتخاب قيادة جديدة، أو من خلال اعتماد برنامج إصلاحي يضمن استعادة دوره التاريخي كقوة تقدمية مؤثرة في الساحة الوطنية.
يرمز حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى واحدة من أقدم وأبرز التجارب السياسية التقدمية في المغرب، حيث لعب عبر تاريخه دوراً محورياً في النضال السياسي والاجتماعي. ومع ذلك، فإن المرحلة الراهنة تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الحزب على التجدد وتجاوز أزماته التنظيمية والسياسية التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة.
إدريس لشكر، بصفته الكاتب الأول، يُنظر إليه من قبل العديد كممثل لمرحلة بدأت في التراجع، لم تستطع مواجهة تحديات العصر السياسي الحديث، أو إدارة أزمات الحزب بشكل فعّال، مما فتح الباب أمام انتشار الشكوك حول مصداقية القيادة الحالية، سواء على المستوى الداخلي أو في الشارع السياسي. فضائح الفساد وتهم هدر المال العام التي طالته، بالإضافة إلى تراجع مواقف الحزب من قضايا محورية مثل القضية الفلسطينية، عمّقت الشعور بالإحباط لدى قواعد الحزب، وأضعفت الثقة في التزاماته السياسية.
الانسحاب من ملتمس الرقابة ضد الحكومة يعتبر علامة بارزة في مسار تراجع الحزب، حيث اعتبرها خصومه تنازلاً استراتيجياً قد يقرب الحزب من مقاعد السلطة على حساب مواقفه المعارضة، وهذا أثار جدلاً حاداً بين الاتحاديين أنفسهم، مما فجر خلافات داخلية عميقة.
أما التوجه نحو محمد الكحص، فيعد محاولة لإعادة استنهاض الحزب عبر قيادة تملك قدرة على التوافق بين مختلف التيارات، مع الحفاظ على الثوابت التاريخية للحزب. لكن التحدي الأكبر يبقى في كيفية فرض هذا التجديد على قواعد الحزب، وتجاوز العقبات التنظيمية التي تعيق التغيير، خصوصاً في ظل منافسات داخلية متزايدة.
في الخلاصة، يتوجب على الاتحاد الاشتراكي أن يعيد قراءة موقعه في المشهد السياسي المغربي بعمق، ويعمل على استعادة دوره التقليدي كفاعل أساسي في الدفاع عن القيم الديمقراطية والاجتماعية، عبر قيادة جديدة وبرنامج واضح يعكس تطلعات قواعده وتحديات العصر. الفشل في ذلك قد يؤدي إلى مزيد من التهميش في المستقبل السياسي الوطني.






