ملف الأحد: إحصاء القطيع الوطني.. حين أنقذت وزارة الداخلية الحقيقة من فوضى الأرقام بين معطيات ميدانية دقيقة وارتباك تدبيري أربك الرأي العام.. من حاول تحويل ملف القطيع إلى معركة سياسية؟

ملف الأحد: عبدالله مشواحي الريفي
في الوقت الذي يئن فيه المواطن المغربي تحت وطأة الغلاء الفاحش، وتقفز فيه أسعار اللحوم الحمراء إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في تاريخ المملكة، خرجت حكومة “الشركات” لتبشر المغاربة بأرقام فلكية حول حجم القطيع الوطني.
لكن وراء جدار الأرقام المنتقاة بعناية، كشفت كواليس “إحصاء القطيع لسنة 2025” عن فجوة سحيقة بين واقع ميداني مرير يواجهه الكسابة، وبين مكاتب مكيفة تُطبخ فيها الأرقام للتغطية على فشل مخططات فلاحية استنزفت الملايير دون تحقيق الأمن الغذائي.
الغرفة المظلمة: تفاصيل “الاجتماع التأمري” لتمرير الأرقام
لم تكن الأرقام المعلنة (32 مليون رأس ثم القفز فجأة إلى 40 مليون رأس) وليدة صدفة، بل كانت نتاج “هندسة سياسية” كشفت عنها مصادر مطلعة. ففي كواليس التنسيق بين رئيس الحكومة عزيز أخنوش وذراعه في قطاع الفلاحة والري أحمد البواري، جرى ترتيب لقاءات مكثفة لـ”توجيه” صياغة مخرجات الإحصاء الوطني للماشية،و كذلك عقد إجتماع طارىء لمناقشة ما وقع خلال عيد الأضحى و حاول أخنوش ووزيره الفاشل ترويج المغالطات و محاولة إلصاق تهم الفوضى بوزارة الداخلية و هو ما أشعل الإجتماع الموجه جعل الجميع يفطنون الى المؤامرة المدبرة بطعم الإنتقام بعد أن تمت الإطاحة بأخنوش من حلم التوسع.
أهداف التوجيه السياسي للأرقام:
تبييض وجه “مخطط المغرب الأخضر” و”الجيل الأخضر”: محاولة إثبات أن الملايير الموجهة للدعم لم تذهب سدى، وأن القطيع بخير رغم أن الأسواق تكذب ذلك يومياً.
الهروب من المحاسبة: التغطية على الاختلالات البنيوية التي واكبت عمليات استيراد الأبقار والأغنام المعدة للذبح، والتي استفاد منها كبار المنعشين على حساب الكسّاب الصغير.
صناعة “انتصار وهمي”: تحويل معطيات تقنية متغيرة إلى مادة للدعاية السياسية والانتخابية السابقة لأوانها، وضخ شحنات تواصلية مضللة للرأي العام.
“الداخلية” في الميدان.. و”الفلاحة” تشعل الأسواق و تفجر الأمن الإجتماعي
بينما كان القطب الفلاحي الحكومي غارقاً في صراعات التموقع وصناعة “البروباغاندا”، كانت وزارة الداخلية تلعب دور الجندي الميداني الحقيقي. فلولا الصرامة التنظيمية لرجال السلطة (من ولاة وعمال وقُواد وأعوان سلطة) لما رأت هذه العملية النور.
حقيقة ميدانية: وزارة الداخلية هي من أمن اللوجستيك، وفتح المسالك الجبلية، وضبط لوائح الكسابة الحقيقيين في عمق العالم القروي، متجاوزةً تقاعس المصالح الإقليمية لوزارة الفلاحة التي اكتفت بدور “المتفرج” بانتظار صدور النتائج لتبني أمجادها عليها.
وعوض أن تحترم وزارة الفلاحة هذه التعبئة الوطنية، استغلت المعطيات الميدانية الدقيقة لتمارس “الارتجال التواصلي”، فتناقضت التصريحات بين ليلة وضحاها؛ تارة يتحدثون عن ندرة مياه وجفاف يهدد الماشية لتبرير صفقات الاستيراد الضخمة، وتارة يتبجحون بامتلاك أربعين مليون رأس لإظهار “المنجزات الحكومية”.
هندسة التشكيك: أزمة تواصل أم طبخة أرقام؟
إن ضجيج التشكيك الذي رافق الإحصاء لم يكن نابعاً من “أبواق معارضة” كما تحاول الآلة الإعلامية لأخنوش والبواري الترويج له، بل هو انعكاس منطقي لغياب الانسجام الحكومي والمؤسساتي.
الرقم المعلن في الإحصاء الرقم المروّج له لاحقاً الواقع في الأسواق المغربية
32 مليون رأس (معطى رسمي مبدئي) 40 مليون رأس (قفزة تواصلية مفاجئة) غلاء حاد، قلة المعروض، والاعتماد التام على الاستيراد
هذا التضارب الفاضح يطرح سؤالاً حارقاً: إذا كان المغرب يمتلك كل ملايين الرؤوس هذه، فلماذا يستمر نزيف استيراد اللحوم والأغنام بالعملة الصعبة ودعمها من جيوب دافعي الضرائب؟
الأرقام طُبخت لخدمة أجندة التهدئة السياسية، بينما الواقع الميداني يؤكد أن الكساب الصغير تم سحقه، وأن إناث الأغنام والماعز المخصصة للتوالد تراجعت أعدادها بشكل مخيف نتيجة غلاء الأعلاف واحتكار كبار المضاربين لبرامج الدعم.
سماسرة السياسة والإعلام.. خطة الدفاع عن “الفشل”
أمام هذا الفشل التواصلي والتدبيري، و بعد أن إفتحضت مؤامرة الإجتماع الطارىء و التقيمي للعيد و الأحداث التي رافقته ولولا تدخل السلطات و الأمن لتهدئة الأسواق ،جندت الرئاسة الحكومية أبواقها المأجورة لشن هجمات مضادة مسبقة الصنع. فبدل فتح نقاش علمي وتقني شفاف حول المنهجية المتبعة في الإحصاء وكيفية حماية الثروة الحيوانية، اختار “مهندسو الصفقات” توجيه إعلامهم الموجه لـ:
تخوين كل صوت ناقد يتساءل عن مصير الملايير المرصودة لدعم الأعلاف.
تحويل النقاش من “الأمن الغذائي للمواطن” إلى “مؤامرة سياسية تقودها رئاسة الحكومة”.
حجب حقيقة أن لجان المراقبة المشتركة رصدت خروقات بالجملة في توزيع الدعم المخصص للتوالد، حيث استفادت منه جهات نافذة على حساب مستحقيها.
الوقائع لا ترتدي ربطة عنق
إن عملية إحصاء القطيع الوطني لسنة 2025 كشفت بالملموس أن الدولة المغربية تمتلك بفضل أجهزتها الترابية (وزارة الداخلية) القدرة على التعبئة والضبط، لكنها كشفت في المقابل أن الإدارة السياسية للقطاع الفلاحي تعيش في برج عاجي.
لن يفلح أخنوش ولا البواري في إخفاء حقيقة الأسواق عبر بلاغات منمقة أو اجتماعات مغلقة لترميم التشققات؛ فالمواطن المغربي لا يشتري اللحم بـ”الأرقام الإحصائية”، بل بقدرته الشرائية المستنزفة. وإن استمرار منطق “الشركات” في تدبير الأمن الغذائي للمغاربة هو التهديد الحقيقي للسلم الاجتماعي وللثروة الحيوانية للمملكة.
قضية القطيع الوطني ليست مجرد قصة أرقام وإحصائيات، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تدبير الأزمات الكبرى ومواجهة آثار الجفاف والتغيرات المناخية.
وإذا كان الجدل سيبقى جزءاً طبيعياً من الحياة العامة، فإن الحقيقة تظل مرتبطة بما يحدث في الميدان لا بما يُقال في المنصات والفضاءات الافتراضية.
لقد أثبتت الوقائع أن وزارة الداخلية و هي تنزل التوجيهات الملكية السامية، أدت دورها في إنجاز عملية الإحصاء وتوفير المعطيات الميدانية، بينما سيظل النقاش مفتوحاً حول كيفية تدبير الملف سياسياً وتواصلياً.
وفي النهاية، تبقى الأرقام الحقيقية هي تلك التي تُبنى على العمل الميداني، لا تلك التي تولد وسط الضجيج والاصطفافات والمزايدات.






