سياسة

مراجعة القانون التنظيمي للجهات: نحو هندسة مؤسساتية جديدة تواكب رهان الحكم الذاتي واستحقاقات 2026

تستعد وزارة الداخلية لإطلاق مراجعة شاملة للقانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، في خطوة يُنظر إليها على أنها محطة حاسمة لتعزيز خيار الجهوية المتقدمة وإعادة ترسيخها كرافعة مؤسساتية لتنمية شاملة ومتوازنة، في ضوء التوجيهات الملكية السامية التي جعلت من الجهوية المتقدمة أداة أساسية لإرساء العدالة المجالية وتنمية القرب والاستجابة لانتظارات المواطن في مختلف جهات المملكة.

وفي سياق تقييم المرحلة الممتدة منذ إقرار دستور 2011 وما تلاه من بلورة للقوانين التنظيمية، يتجه المشروع الحالي إلى تجاوز الإكراهات التي طرحتها التجربة الميدانية، وإعادة صياغة الإطار القانوني لضمان فعالية أكبر في عمل الجهات، استنادًا إلى خلاصات المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة بطنجة التي شددت، من خلال توجيهات ملكية، على ضرورة مواكبة التحولات وتجاوز التحديات على المستوى الترابي.

أهداف المراجعة: نحو جهوية أوسع صلاحيات وأكثر فاعلية

**1. **فك التداخل بين الصلاحيات
التعديل المرتقب يسعى إلى تحيين اختصاصات الجهات وتقليص التداخل مع الجماعات الترابية الأخرى، وذلك لضمان نجاعة التدخل العمومي وتفادي حالات الازدواجية التي أثرت على تنزيل السياسات العمومية على مستوى جهات المملكة.

**2. **إعادة رسم العلاقة مع السلطة المركزية
تتضمن المراجعة إعادة النظر في دور الولاة ضمن الإطار الترابي، لضمان توازن بين التدبير الحر للجهات المنصوص عليه في الدستور، وبين ضرورة احترام آليات الرقابة الإدارية، مع تعزيز دور القضاء الإداري في فض النزاعات بدون الاستمرار في التدخلات المباشرة غير المبررة.

**3. **ربط نقل الاختصاصات بنقل الموارد
واحدة من أبرز مقتضيات التعديل هو ربط نقل الصلاحيات الحيوية—كالصحة والتعليم والبيئة—بتمويل موازٍ، لضمان قدرة الجهات على تنفيذ برامجها دون عجز مالي أو إجرائي، وبالتالي تحقيق استقلالية حقيقية في اتخاذ القرار.

التوجيهات الملكية: دافع أساسي للدفع بأوراش الجهوية

تنبع أهمية المراجعة من التوجيهات الملكية السامية التي أكدت في أكثر من مناسبة على وجوب تنزيل الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي في إعداد السياسات الترابية، وذلك بتجاوز مرحلة الأسس الهيكلية إلى مرحلة التطبيق العملي الفعّال، وإعادة الثقة للمواطن في قدرة المؤسسات الترابية على تحسين جودة الخدمات وتحقيق تنمية متوازنة على امتداد التراب الوطني.

وقد أكد الملك في الرسالة التي تلاها خلال فعاليات المناظرة الوطنية الثانية أهمية مواصلة الجهود وتحديد «خارطة طريق واضحة ومتوافَق بشأنها»، تُمكن الجهات من تجاوز التحديات الراهنة، وتفعيل دورها في توجيه السياسات العمومية حسب خصوصيات كل جهة، عبر مقاربة تراعي الانسجام بين مختلف المستويات الترابية.

دور الجهوية المتقدمة في السياق التنموي والدبلوماسي

لا تقتصر أهمية المشروع القانوني على البعد الداخلي فقط، بل يمتد إلى أبعاد سياسية ودبلوماسية، إذ يُنظر إلى الجهوية المتقدمة كنموذج حضاري ومؤسساتي يمكن الترافع به دوليًا، خصوصًا في ظل الاعتراف الدولي الواسع بمبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية. وتحويل هذا النموذج إلى واقع يُظهر قدرة المغرب على دمقرطة الجهوية وتوسيع الشراكة بين الدولة والمجالس المحلية.

الجدول الزمني: قبل استحقاقات 2026

تعمل وزارة الداخلية على إنجاز هذا النص قبل الاستحقاقات الانتخابية الجماعية والجهوية لسنة 2026، وهو ما يرمي إلى منح النخب الجديدة إطارًا قانونيًا حديثًا وقابلًا للتطبيق، يعالج الإكراهات التقنية والتنظيمية التي واجهت التجربة السابقة خلال العقد الأخير.

ويُنتظر أن يتيح القانون الجديد آليات للتعاقد بين الدولة والجهات (عقود برنامج)، بالإضافة إلى تعزيز أطر الرقابة والتقييم ومساءلة الجهات عند إخلالها بالتزاماتها، وهو ما يشير إلى تحول نوعي في الحكامة الترابية.

قراءة في عمق الإصلاح: أي جهة بعد 2026؟

تكمن أهمية التعديل في أنه لا يكتفي بوضع قواعد تنظيمية جامدة، بل يهدف إلى تأسيس منظومة جهوية قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين من فرص التشغيل إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وصولاً إلى تعزيز الأقطاب الاقتصادية المحلية. كما أن ربط نقل الصلاحيات بنقل الموارد يعكس إدراكًا متقدمًا بأن الجهوية لا تُفعل إلا بتمكين حقيقي وليس فقط بتفويض صوري.

بينما تتجه الأنظار نحو سنة 2026 كمنعرج سياسي وتنموي مهم، يبدو أن مراجعة القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات ليست مجرد تعديل قانوني تقني، بل خطوة استراتيجية متكاملة في مشروع المغرب للمُواكبة الحقيقية للجهوية المتقدمة، انسجامًا مع التوجيهات الملكية السامية التي جعلت من هذا الورش عنصرًا أساسيًا في إرساء التنمية المتوازنة والعدالة المجالية بين جميع جهات المملكة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى