مجلس النواب يمنح الثقة لحكومة المنصوري بـ204 أصوات.. سجالات حادة مع المعارضة ومطالب بالشفافية ومحاربة تضارب المصالح

تحولت جلسة مجلس النواب، المنعقدة يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، والمخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي والتصويت عليه، إلى مواجهة سياسية مباشرة بين رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري ومكونات المعارضة، في جلسة تجاوزت مجرد استكمال المسطرة الدستورية لتنصيب الحكومة، لتكشف عن حجم الانتظارات المرتبطة بالولاية الجديدة، وحدود الاستمرارية في السياسات العمومية، والأسئلة التي تلاحق الوعود الانتخابية المتعلقة بالتشغيل والقدرة الشرائية ومحاربة الفساد.
وانتهت الجلسة بمصادقة مجلس النواب على البرنامج الحكومي بأغلبية 204 أصوات، مقابل 127 صوتا معارضا، من أصل 331 نائبا شاركوا في التصويت، فيما غاب 64 نائبا عن مجموع أعضاء المجلس البالغ عددهم 395. وبذلك حصلت الحكومة على الثقة البرلمانية اللازمة لتنصيبها دستوريا، طبقا للفصل 88 من الدستور، الذي يشترط موافقة الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، أي 198 نائبا.
وتكشف الأرقام أن البرنامج الحكومي تجاوز العتبة الدستورية بستة أصوات فقط، كما أن الأصوات المؤيدة جاءت أقل بثلاثة أصوات من مجموع المقاعد التي تتوفر عليها الأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية، والبالغ عددها 207 مقاعد. غير أن هذه الفوارق العددية لا تكفي وحدها للجزم بوجود خلاف داخل التحالف، إذ لا تتوفر معطيات مؤكدة تحدد أسباب عدم تطابق عدد الأصوات مع مجموع المقاعد، أو تميز بين الغياب وأي تصويت مخالف لتوجهات الأغلبية.
مواجهة سياسية مباشرة بين المنصوري والأزمي
كان أبرز ما ميز الجلسة انتقال النقاش من عرض مضامين البرنامج الحكومي إلى سجال سياسي مباشر بين رئيسة الحكومة وممثلي المعارضة، خصوصا خلال المواجهة مع إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس فريق العدالة والتنمية، الذي انتقد طبيعة الحكومة وتماسكها السياسي والفكري، وأثار أسئلة بشأن المسار الدستوري لإعداد مشروع قانون المالية وتدبير المرحلة الانتقالية بين تعيين الحكومة وتنصيبها.
وفي المقابل، دخلت المنصوري في ردود مباشرة على انتقادات الأزمي، مستحضرة خلفيته القانونية بصفتها محامية، كما استحضرت تجربة العدالة والتنمية السابقة في رئاسة الحكومة، وواجهت ما اعتبرته استمرار الحزب في خطاب المظلومية. وتداولت التغطيات الصحافية وصفا للجلسة بأنها شهدت ارتفاعا في حدة التفاعل، ومقاطعات وتعقيبات متبادلة وتصفيقا وضحكا، إلى جانب نقاشات خرجت في بعض لحظاتها عن اللغة البرلمانية التقليدية.
ووفق قراءة الصحافي يونس مسكين المنشورة عقب الجلسة، ظهرت المنصوري هذه المرة بصورة أكثر استعدادا للمواجهة مقارنة بجلسة تقديم البرنامج الحكومي يوم الاثنين 19 أكتوبر، إذ انتقلت إلى الرد المباشر على خصومها، واستعملت الدارجة المغربية في بعض لحظات السجال. غير أن هذا التوصيف يظل قراءة صحافية لأداء رئيسة الحكومة، وليس مؤشرا موضوعيا مستقلا على مدى نجاح البرنامج أو قدرة الحكومة على تنفيذه.
ومن الوقائع التي أثارت النقاش أيضا، اضطرار رئيس مجلس النواب إلى رفع الجلسة مرتين، وفق ما أوردته صحيفة «أنفاس بريس»، لإتاحة الفرصة لرئيسة الحكومة لإجراء مكالمات هاتفية. وقد أثار الأمر احتجاج فريق العدالة والتنمية وتساؤلات بشأن سير الجلسة، في حين لم تتضح هوية المتصلين أو طبيعة المكالمات التي استدعت رفع الأشغال. كما شهدت الجلسة تفاعلا متوترا خلال طلب رفعها لأداء صلاة الظهر، في مشهد عكس أجواء التجاذب التي طبعت بعض لحظاتها.
التجمع الوطني للأحرار ينتقل إلى المعارضة وينتقد استمرار المسار السابق
من أبرز التطورات السياسية في الجلسة موقف فريق التجمع الوطني للأحرار، الذي انتقل إلى المعارضة بعد قيادته الحكومة السابقة برئاسة عزيز أخنوش. فقد وجه رئيس الفريق ياسين عوكاشا انتقادات إلى الحكومة الجديدة، معتبرا أن استمرار عدد من الوزراء السابقين في مواقعهم، إلى جانب استمرار مجموعة من البرامج والاختيارات، يجعل التغيير المعلن بحاجة إلى توضيح سياسي أكبر.
وخاطب عوكاشا رئيسة الحكومة بعبارة «مرحبا بكم في الطريق الذي كنتم تنتقدونه»، في إشارة إلى ما اعتبره استمرار الحكومة الجديدة في المسار نفسه الذي اتخذته مكونات الأغلبية الحالية موضوعا للنقد خلال الحملة الانتخابية. كما تساءل عن الهوية السياسية للحكومة الجديدة، وعن القيمة المضافة التي ستقدمها، معتبرا أن استمرارية الدولة لا ينبغي أن تعني إعادة إنتاج السياسات نفسها دون تطويرها.
وفي المقابل، دافع فريق التجمع الوطني للأحرار عن حصيلة التجربة السابقة، مستحضرا مؤشرات اقتصادية قال إنها إيجابية، من بينها تراجع التضخم إلى أقل من واحد في المائة، وبلوغ النمو 4.6 في المائة، وانخفاض عجز الميزانية إلى ثلاثة في المائة. وبهذا الموقف، لم يقتصر دور الفريق على انتقاد البرنامج الحكومي، بل سعى أيضا إلى الدفاع عن جزء من السياسات التي أشرف عليها خلال الولاية السابقة.
ويكتسي هذا التحول أهمية سياسية، لأن الحزب الذي قاد الحكومة السابقة أصبح مطالبا بممارسة الرقابة على حكومة تضم أطرافا كانت شريكة معه في الأغلبية، في وقت تطرح فيه المنصوري شعار تغيير المسار مع الحفاظ على استمرارية الأوراش الاستراتيجية. ويضع هذا الوضع المعارضة الجديدة أمام اختبار التمييز بين الدفاع عن حصيلة الولاية السابقة ومساءلة الحكومة الحالية عن تعهداتها واختياراتها الخاصة.
العدالة والتنمية: حكومة تفتقر إلى الانسجام وتحتاج إلى مراجعة الاختيارات
من جهته، انتقد فريق العدالة والتنمية، بقيادة إدريس الأزمي، ما وصفه بغياب الانسجام السياسي والفكري داخل الحكومة، معتبرا أن استمرار عدد من الوزراء في القطاعات نفسها يطرح أسئلة بشأن مدى مراجعة الاختلالات التي عرفتها الولاية السابقة.
كما دعا الحزب إلى إطلاق التحضير القانوني والتنظيمي والإداري للانتخابات المقبلة المتعلقة بالجماعات الترابية، وإعادة النظر في عدد من الجوانب المرتبطة بالمنظومة الانتخابية، بما في ذلك القاسم الانتخابي والعتبة وعدد مكاتب التصويت، فضلا عن المطالبة بضمان حياد الإدارة، وهي مواقف تعكس استمرار الخلاف بشأن قواعد المنافسة الانتخابية وتدبير المؤسسات المنتخبة.
وعلى مستوى الجهوية المتقدمة واللامركزية واللاتمركز، دعا الأزمي إلى معالجة الاختلالات التي تعرقل تنزيل هذه الأوراش، معتبرا أن المؤسسات الترابية تحتاج إلى منظومة قانونية ومؤسساتية تساعد على إفراز أغلبيات منسجمة وقادرة على التدبير، بدل استمرار مظاهر الارتباك والتعثر التي أشار إليها في مداخلته.
وفي الملف الحقوقي، طالب فريق العدالة والتنمية بالإفراج عن معتقلي حراك الريف وشباب ما يعرف بجيل «زد» والنقيب محمد زيان وغيرهم ممن وصفهم بالمعتقلين في ملفات حقوقية، داعيا إلى إغلاق هذه الملفات وفتح المجال أمام انفراج سياسي. كما أثار قضايا مرتبطة بالغلاء وأسعار المواد الغذائية والمحروقات، وحذر من أن تتحول الشركات الجهوية المقترحة لتجميع وتسويق المنتجات إلى أدوات جديدة لتركيز الثروة في يد المضاربين وأصحاب النفوذ.
وتظهر هذه المواقف أن المعارضة لم تحصر تدخلها في نقد الصياغة العامة للبرنامج، بل وسعت النقاش إلى ملفات الانتخابات والحريات والعدالة المجالية والاقتصاد، في محاولة لربط التصويت على الثقة بالاختيارات التي ستترجمها الحكومة إلى قرارات وتشريعات.
ريم شباط: البرنامج مجرد إعلان نوايا ومطلب بلجنة لتقصي الحقائق
وقدمت ريم شباط، رئيسة الفريق الحركي، واحدة من أكثر المداخلات حدة، إذ اعتبرت أن البرنامج الحكومي لا يرقى إلى مستوى برنامج متكامل يتضمن التزامات دقيقة وإجراءات محددة وأرقاما مضبوطة وآجالا واضحة للتنفيذ، واصفة إياه بأنه «مجرد إعلان نوايا».
وطرحت شباط سؤالا مباشرا بشأن مصير 280 مليار درهم، التي ربطتها بالأموال العمومية المخصصة لدعم القدرة الشرائية خلال الولاية السابقة، مطالبة رئيسة الحكومة بقبول تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول كيفية صرفها ومدى أثرها ونتائجها. وتظل هذه القيمة والاتهامات المرتبطة بها جزءا من مداخلة سياسية ومطلب رقابي تقدمت به البرلمانية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حكما قضائيا أو نتيجة تدقيق نهائي مثبتة.
كما أثارت شباط ملف تضارب المصالح ومحاربة الإثراء غير المشروع، متسائلة عن مدى قدرة الحكومة على الوفاء بتعهداتها في هذا المجال في ظل استمرار بعض الوجوه الوزارية السابقة. وانتقدت كذلك بقاء نزار بركة في وزارة التجهيز والماء وعبد الصمد قيوح في وزارة النقل واللوجستيك، معتبرة أن استمرار المسؤولين أنفسهم يطرح سؤال المحاسبة عن الاختلالات التي تراكمت خلال الولاية السابقة.
وفي الشق الاجتماعي، طالبت شباط بالتعجيل برفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم ابتداء من يناير 2027، بدل الانتظار إلى نهاية الولاية الحكومية، كما دعت إلى مراجعة شروط استفادة الأرامل والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة، وإلى توضيح مصير الوعود المرتبطة بالإعفاء من الضريبة على الدخل بالنسبة إلى فئات من الأجراء.
وتطرقت مداخلتها أيضا إلى غلاء المعيشة، داعية إلى تسقيف الأسعار والتراجع عن تحرير أسعار المحروقات، وتوضيح الموقف من إعادة تشغيل مصفاة «سامير»، فضلا عن المطالبة بالكشف عن تقييم مخطط المغرب الأخضر وغيره من البرامج الفلاحية، وإنصاف الفلاحين والكسابة الصغار.
وفي التعليم والتشغيل، أعادت شباط طرح وعد إحداث مليون منصب شغل، وانتقدت شروط التوظيف والانتقاء الأولي، وطالبت بإدماج مربيات ومربي التعليم الأولي وتحسين المنح الجامعية. كما دعت إلى إعطاء الأولوية للعالم القروي والجبلي في الخدمات الصحية، وتبسيط رخص البناء وتوسيع دعم السكن القروي، وانتقدت ضعف حضور الأمازيغية وغياب حقائب وزارية مستقلة لبعض الملفات، من بينها مغاربة العالم والتنمية القروية والجماعات الترابية.
وأثارت شباط كذلك طريقة تدبير ملف إعفاء الوزيرة مديحة خيير، معتبرة أن قرار الإعفاء كان صائبا من حيث المبدأ، لكن التصريحات المصاحبة له لم تكن موفقة، داعية إلى مراعاة الاعتبارات الإنسانية.
تحالف اليسار يربط التغيير بإصلاح دستوري ومحاسبة سياسية
من جانبها، انتقدت نبيلة جلال، رئيسة المجموعة النيابية لتحالف اليسار، استمرار ما اعتبرته اختلالات مرتبطة بتداخل المال والسلطة وتضارب المصالح، متسائلة عن حدود التغيير الذي تتحدث عنه الحكومة الجديدة، في ظل مشاركة مكونات منها في تدبير الولاية السابقة.
ودعت جلال إلى إصلاح دستوري شامل يتجه نحو ملكية برلمانية وفصل فعلي للسلط وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أعلنت تمسك مجموعتها بالمطالبة بعفو عام شامل عن معتقلي حراك الريف وشباب جيل «زد» والمعتقلين السياسيين والصحافيين والنقابيين، مع الدعوة إلى وقف المتابعات التي تعتبرها المجموعة كيدية وجبر الضرر.
وتتقاطع هذه المطالب مع جانب من مواقف العدالة والتنمية والحركة الشعبية بشأن الملفات الحقوقية، لكنها تعكس في الوقت نفسه اختلافات في الخلفيات السياسية والمرجعيات التي تستند إليها مكونات المعارضة، سواء في تقييم الحكومة السابقة أو في تصور الإصلاحات الدستورية المطلوبة.
كيف دافعت المنصوري عن حكومتها؟
كان رد رئيسة الحكومة محور الجلسة الختامية لمسار مناقشة البرنامج الحكومي، إذ واجهت انتقادات المعارضة بمقاربة سياسية مباشرة، وانتقلت في عدد من اللحظات من شرح التوجهات الحكومية إلى الرد على خلفيات المواقف الحزبية وتذكير خصومها بتجاربهم السابقة في تدبير الشأن العام.
وبحسب التغطيات الصحافية، فقد أظهرت المنصوري استعدادا للدخول في سجالات مباشرة، خصوصا مع العدالة والتنمية، ولم تكتف بالردود التقنية على الأسئلة المتعلقة بالبرنامج. وشمل النقاش كذلك موضوع إعداد مشروع قانون المالية، في ظل اعتراضات أثارها نواب بشأن الترتيب الدستوري للإجراءات الحكومية.
غير أن التقييم الموضوعي لأدائها لا يمكن أن يتوقف عند طريقة إدارة المواجهة داخل القبة أو قدرتها على الرد على الانتقادات. فالاختبار الأساسي لرئيسة الحكومة يتمثل في تحويل الوعود إلى قرارات قابلة للقياس، وتحديد الآجال والتمويل والمسؤوليات، ثم تقديم حصيلة واضحة أمام البرلمان والرأي العام.
كما أن السجال الذي شهدته الجلسة كشف عن مفارقة سياسية: الحكومة تحتاج إلى إثبات أن التغيير المعلن يتجاوز تبديل المواقع والأشخاص، فيما تحتاج المعارضة إلى تحويل الانتقادات إلى رقابة مستمرة ومقترحات بديلة، بدل أن يظل النقاش محصورا في المواجهات الشخصية والتعقيبات الحزبية.
ماذا تعني نتيجة التصويت سياسيا ودستوريا؟
يجب التمييز بين ثلاثة مستويات في قراءة نتيجة جلسة الخميس. أولا، من الناحية الدستورية، حصلت الحكومة على الثقة المطلوبة، وبذلك استكملت مسطرة التنصيب البرلماني المنصوص عليها في الفصل 88 من الدستور. ثانيا، من الناحية العددية، نالت 204 أصوات مقابل 127، أي إنها تجاوزت الأغلبية المطلقة المطلوبة بستة أصوات. وثالثا، من الناحية السياسية، كشفت المناقشة عن معارضة متعددة الأطراف، شملت أحزابا تختلف في مواقفها من الحكومة السابقة وفي مطالبها بشأن الإصلاحات المقبلة.
وتستحق مسألة الأصوات المؤيدة التوقف عندها، إذ تتوفر أحزاب الأغلبية الأربعة على 207 مقاعد وفق المعطيات المنشورة، بينما لم يحصل البرنامج إلا على 204 أصوات. لكن لا توجد في المعطيات المتاحة أدلة كافية لتحديد ما إذا كان الفارق ناتجا عن الغياب أو امتناع أو تصويت مخالف، ولذلك لا يصح تقديمه باعتباره دليلا قاطعا على انقسام الأغلبية.
أما المعارضة، فقد سجلت 127 صوتا ضد البرنامج، وهو عدد يعكس حضورها في التصويت، لكنه لا يعني بالضرورة أنها تتبنى برنامجا سياسيا موحدا؛ إذ توزعت تدخلاتها بين انتقاد الاستمرارية الحكومية، والمطالبة بتدقيق الإنفاق العمومي، وإصلاح المنظومة الانتخابية، وتحسين القدرة الشرائية، وتوسيع الحريات، ومراجعة السياسات الاجتماعية.
وتبقى النتيجة العددية بداية للمساءلة وليست نهايتها. فالثقة الدستورية تمنح الحكومة صلاحية مباشرة عملها، لكنها لا تعفيها من تقديم الحساب بشأن الالتزامات التي أعلنتها، كما لا تعفي المعارضة من متابعة تنفيذها واستعمال أدوات الرقابة البرلمانية المتاحة لها.
المرحلة المقبلة: من السجال البرلماني إلى اختبار التنفيذ
تدخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ولايتها الجديدة أمام مجموعة من الملفات التي حضرت بقوة في مداخلات النواب، وفي مقدمتها التشغيل والقدرة الشرائية وإصلاح التعليم والصحة، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح، وتدبير أسعار المحروقات، والعدالة المجالية، والعلاقة بين الحكومة والمؤسسات المنتخبة.
ويبرز الدعم الاجتماعي المباشر مثالا واضحا على الفارق بين الوعد السياسي والالتزام القابل للتقييم. فالمعارضة طالبت بالتعجيل برفعه إلى ألف درهم ابتداء من سنة 2027، بينما أثيرت خلال مناقشة البرنامج مسألة ربط بلوغ هذا المستوى بأفق نهاية الولاية الحكومية. ويجعل هذا الاختلاف من الضروري توضيح الجدول الزمني المعتمد، وشروط الاستفادة، والكلفة المالية، ومصادر التمويل، حتى يتمكن البرلمان من تقييم الالتزام على أساس معطيات دقيقة.
كما أن ملف التشغيل يتطلب الانتقال من الأهداف العامة إلى تحديد القطاعات المستهدفة وعدد فرص العمل المنتظرة، وطبيعة هذه الفرص ومدى استدامتها. وينطبق الأمر نفسه على الصحة والتعليم، حيث لا يكفي الإعلان عن تطوير الخدمات ما لم يقترن ذلك بتحديد الحاجيات من الأطر والموارد والتجهيزات، خصوصا في المناطق القروية والجبلية التي أثارتها المعارضة.
وفي مجال الحكامة، سيكون تنفيذ التعهدات المرتبطة بمحاربة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح معيارا أساسيا لتقييم الحكومة، إلى جانب مدى تجاوبها مع مطالب الرقابة على الإنفاق العمومي. أما سياسيا، فإن انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة يفتح المجال أمام إعادة ترتيب العلاقات بين الأحزاب، ويضع الحكومة أمام رقابة تأتي أيضا من حزب قاد الولاية السابقة وشارك في صياغة عدد من السياسات التي يجري تقييمها اليوم.
في المحصلة، منح تصويت 22 أكتوبر 2026 حكومة فاطمة الزهراء المنصوري الثقة الدستورية بأغلبية 204 أصوات، لكنه كشف في الوقت نفسه عن نقاش سياسي حاد بشأن معنى التغيير الحكومي وحدود الاستمرارية، وعن مطالب رقابية واجتماعية وحقوقية لا يمكن حسمها بمجرد التصويت. وستتوقف القيمة العملية لهذه الجلسة على ما إذا كانت المواجهة التي شهدتها قبة البرلمان ستتحول إلى رقابة منتظمة ومناقشة فعلية للميزانيات والتشريعات، وإلى التزامات حكومية واضحة يمكن قياس تنفيذها ومحاسبة المسؤولين عنها.






