«المصدر المقرب» يزاحم التواصل الرسمي داخل الحكومة المغربية.. توضيحات من وراء الستار تثير أسئلة الشفافية والمساءلة

أعاد لجوء عدد من أعضاء الحكومة المغربية إلى صيغة «مصدر مقرب» لتقديم توضيحات بشأن ملفات مثيرة للجدل النقاش حول طبيعة التواصل السياسي المعتمد داخل الجهاز التنفيذي، وحدود التزام المسؤولين بتقديم أجوبة مباشرة للرأي العام عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس صورتهم الشخصية أو ترتبط بتدبير الشأن العام.
وخلال الأيام الأخيرة، برزت هذه الصيغة في توضيحات منسوبة إلى محيط الوزيرة المنتدبة المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، فاطمة السعدي، والوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري، أحمد المهدي المزواري، ورئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري. ورغم اختلاف الملفات التي تناولتها هذه التوضيحات، فإنها تشترك في اعتماد مصادر غير مسماة لنقل مواقف المعنيين، بدل صدور بيانات رسمية واضحة أو تصريحات مباشرة تحدد المسؤولية عن المضمون المنشور.
ولا يتعلق الإشكال بمجرد استخدام الصحافة مصادر مجهولة الهوية، فهذه ممارسة مهنية قد تفرضها اعتبارات متعددة، من بينها حماية المصدر أو تعذر الحصول على تصريح رسمي. لكن التساؤل يزداد إلحاحا عندما يصبح هذا الأسلوب قناة متكررة للدفاع عن مسؤولين عموميين، خصوصا في القضايا التي تتطلب توضيحات دقيقة ووثائق قابلة للتحقق، بما يضمن حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات ويتيح التمييز بين الوقائع المثبتة والمواقف الدفاعية.
في ملف فاطمة السعدي، نقلت وسائل إعلام توضيحات عن مصدر مقرب منها بشأن القضية المرتبطة بفترة رئاستها للمجلس الجماعي للحسيمة. ووفق الرواية المنقولة، فإن الملف انتهى بحكم قضائي نهائي يقضي ببراءتها، مع التأكيد أن تداول معطيات مرتبطة بمراحل سابقة من المسار القضائي، دون الإشارة إلى مآله النهائي، قد يعطي صورة غير مكتملة عن القضية.
وإذا كانت هذه الرواية تستند إلى حكم قضائي نهائي، فإن نشر الوثيقة القضائية أو تقديم توضيح رسمي يحيل عليها من شأنه أن يتيح للرأي العام التحقق من المعلومة بصورة مباشرة، ويضع النقاش في إطاره القانوني الصحيح. فالمطلوب في مثل هذه الحالات ليس الاكتفاء بنقل موقف دفاعي، بل إتاحة المعطيات التي تسمح بفهم الملف على ضوء مآله القضائي الفعلي.
أما ملف أحمد المهدي المزواري، فيرتبط بملاحظات وردت في تقرير للمجلس الأعلى للحسابات بشأن تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها الممولة من الدعم العمومي برسم سنة 2022. وتناول التقرير نفقات مرتبطة بإنجاز 23 دراسة لفائدة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مسجلا ملاحظات بشأن غياب اتفاقيات خاصة تحدد شروط إنجاز كل دراسة وكلفتها على حدة، وعدم الإدلاء بدراستين ضمن الوثائق المقدمة، إلى جانب ملاحظات تتعلق بالمنهجية العلمية ومحتوى الوثائق المعتمدة لتبرير النفقات.
وفي مواجهة ما أثير بشأن هذه المعطيات، نقلت الصحافة توضيحا عن مصدر مقرب من الوزير اعتبر أن ما جرى تداوله لا يعكس حقيقة الوقائع والإجراءات المرتبطة بالملف، واصفا بعض ما نشر بأنه شائعات ومحاولات لتحريف الوقائع والإساءة إلى سمعة الوزير والعمل السياسي.
غير أن الإشكال الذي يظل قائما هو أن هذا النوع من الردود، بصيغته العامة، لا يوضح بصورة تفصيلية أي الملاحظات الواردة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات يجري الاعتراض عليها، ولا يقدم بالضرورة معطيات مضادة تسمح بمناقشة كل نقطة على حدة. كما أن تسجيل ملاحظات رقابية لا ينبغي تقديمه تلقائيا باعتباره إدانة قضائية، مثلما لا يكفي نفيها عبر مصدر مجهول لإغلاق النقاش بشأنها. والفصل بين الأمرين يقتضي الرجوع إلى الوثائق الرسمية، وتوضيح الإجراءات المتخذة بشأن الملاحظات المسجلة.
وامتد الجدل إلى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، على خلفية اتهامات تتعلق باحتمال تضارب المصالح بين مكتب للمحاماة كانت شريكة فيه ومؤسسة عمومية كانت خاضعة لوصايتها خلال توليها حقيبة السكنى والتعمير. وفي هذا السياق، نقل عن مصدر مقرب منها أنها غادرت مكتب المحاماة وتوقفت عن ممارسة المهنة بمجرد تعيينها وزيرة في أكتوبر 2021، وأن الاتهامات المتداولة لا تستند، بحسب المصدر، إلى أساس صحيح.
ومرة أخرى، لا يتعلق الأمر بحرمان رئيسة الحكومة من حقها في الرد على ما يثار بشأنها، بل بطبيعة التواصل الذي اختير لإيصال هذا الرد. فالقضايا المرتبطة بتضارب المصالح وأخلاقيات المسؤولية العمومية تستدعي توضيحات محددة بشأن الوقائع والتواريخ والوضعيات القانونية المعنية، بما يسمح بتقييمها استنادا إلى معطيات موثوقة، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الاكتفاء بروايات غير قابلة للتحقق.
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى موقع رئيسة الحكومة وأعضاء الجهاز التنفيذي، إذ لا تقتصر مسؤوليتهم التواصلية على شرح القرارات الحكومية، بل تشمل أيضا ضمان وضوح المواقف الرسمية عندما تثار قضايا ذات مصلحة عامة. ولا يعني ذلك أن كل اتهام متداول يستوجب ردا حكوميا فوريا أو أن المسؤول ملزم بتقديم أجوبة خارج الضوابط القانونية، وإنما يعني أن القضايا التي تستدعي التوضيح ينبغي التعامل معها من خلال قنوات مؤسساتية واضحة، تتيح تحديد مصدر المعلومة وطبيعتها وحدود المسؤولية عنها.
ومن هنا، يبرز سؤال دور الناطق الرسمي باسم الحكومة ومديريات التواصل داخل الوزارات. فإذا كانت هذه المؤسسات مكلفة بتقديم المواقف الرسمية وشرح القرارات وتوضيح المعطيات المرتبطة بعمل القطاعات الحكومية، فإن اعتماد مصادر مقربة في الملفات الحساسة يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذه القنوات، وحول ما إذا كانت تؤدي دورها بالسرعة والوضوح اللذين يتطلبهما تدبير التواصل العمومي.
وتتجلى أهمية البلاغات الرسمية في قدرتها على تقديم معلومة محددة يمكن نسبتها إلى الجهة التي أصدرتها، والرجوع إليها عند الحاجة، بدل ترك المجال مفتوحا لتعدد الروايات والتأويلات. وفي هذا السياق، أعاد ملف إعفاء الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني مديحة خيير إبراز قيمة التواصل المؤسساتي، بعدما صدر بلاغ عن الديوان الملكي تضمن معطى يتعلق بتوصل المؤسسة بطلب من رئاسة الحكومة في هذا الشأن، وهو ما أتاح توضيح جانب أساسي من مسار القرار وحدد مصدر المعلومة.
وقد أظهر هذا المثال أن صدور توضيح رسمي، عندما يتعلق الأمر بمسار قرار عمومي، يمكن أن يساعد على فهم الوقائع وتحديد المسؤوليات المؤسساتية، خصوصا عندما تكون المعطيات المتداولة متضاربة أو غير مكتملة. كما يسلط الضوء على كلفة تأخر التواصل الحكومي، إذ يمكن أن يؤدي غياب المعلومة الدقيقة إلى اتساع دائرة التأويلات وترك المجال أمام روايات متباينة لا تجد ما يحسم بينها.
وفي المحصلة، لا تكمن المشكلة في عبارة «مصدر مقرب» في حد ذاتها، بل في احتمال تحولها إلى بديل متكرر عن التواصل الرسمي في قضايا تتطلب الوضوح والمساءلة. فالمصدر غير المسمى قد ينقل موقفا أو يقدم معلومة مفيدة، لكنه لا يعوض دائما بيانا مؤسساتيا يحدد الوقائع بدقة، ولا يحل محل الوثائق الرسمية التي يستطيع الرأي العام الرجوع إليها.
وبين حق المسؤولين في الرد على الاتهامات وحق المواطنين في معرفة الحقيقة، تظل الحاجة قائمة إلى تواصل حكومي أكثر انتظاما وشفافية، يميز بين الوقائع المثبتة والروايات المنقولة، ويقدم توضيحات قابلة للتحقق، ويتيح للمؤسسات المعنية تحمل مسؤولية مواقفها علنا. فالثقة في العمل الحكومي لا تُبنى فقط عبر القرارات المعلنة، بل أيضا عبر الطريقة التي تشرح بها الحكومة تلك القرارات وتتعامل بها مع الأسئلة والانتقادات المرتبطة بتدبير الشأن العام.






