ثقافة

قصة قصيرة:خلف أبواب الرحمة: كيف يُستغل الفقر في ليالي رمضان المظلمة؟

فاس 24: عبدالله مشواحي الريفي

كان الفقر يومًا ما شبحًا يطارد الناس، يلتهم طموحاتهم وأحلامهم في صمت. لكن اليوم، لم يعد الفقر مجرد حالة من العوز والحاجة. أصبح شيئًا آخر، أداة تُستغل في لعبة سياسية قذرة، ورقة يُوزع بها الفتات على الجياع ليُصاغ بها الولاء في الخفاء.

في ليالي رمضان، حيث كان المفترض أن يُضيء الشهر بالنور والرحمة، كان الفقر يغلف كل شيء كعادته. في تلك الأيام، تصبح آلام الفقراء محط أنظار الجميع، لكنهم لا يُنظر إليهم كمحتاجين، بل كأرقام تُستخدم في حسابات من يتاجرون بمعاناتهم.

كان رمضان بالنسبة لأولئك الناس هو الشهر الذي تزداد فيه معاناتهم، لا لأنهم لا يملكون ما يعينهم على صيامهم، بل لأنهم يواجهون لعبة سخيفة تُخفي وراءها الوعود الكاذبة. وفي زحمة شهر الرحمة، كان الفقر و الحاجة يظل هو العنوان الأبرز في حياتهم. تصطف الموائد عند البعض، وتبقى الأخرى فارغة، بينما تتناثر الهبات والصدقات كأنها مُغلفات تحتوي على أوهام مؤقتة.

“هذا ما لدينا لهذا الشهر”، كان الصوت يعلو من فوق منابر الخطب السياسية ، وهي تُعلن عن مساعدات رمضانية. قلة من يلتفتون إلى الفقراء الذين كانوا يعانون في صمت، ولا يتساءلون عن خلفية تلك المساعدات التي يُقال إنها “لأهل الحاجة”. كانت المساعدات لا تتجاوز كونها وسيلة جديدة لتوزيع الوعود الكاذبة، تمامًا كما تُوزع الفتات على موائد الجائعين، وتُعدّ على أساس “الوقت المناسب”.

كان رمضان، في تلك الفترة، يحمل في طياته وجوهًا أخرى غير التي نشهدها في المساجد، وجهًا مختلفًا، لا يعبر عن الجود أو عن الرحمة، بل عن الصمت البارد تجاه جراح الناس. وفي كل زاوية كانت تُوزع “الهبات الرمضانية”، بينما كان الفقر في أعمق صور التعبير عن نفسه. لا أفق لحل حقيقي، فقط إلقاء الوعود التي تصبح سرابًا مع شروق كل يوم جديد.

لكن الحقيقة كانت أفظع من أن تُخفى. ففي الليل، عندما يملأ السكون كل شيء، كان يتساقط ثوب التجميل الذي حاولوا أن يلبسوه للواقع. يتضح أن الفقراء لم يكونوا في الحقيقة جزءًا من تلك اللعبة. كانوا مجرد وقود لرغبات سياسية، تشتعل عندما تكون هناك حاجة لإثبات النوايا، ثم تخبو حين تنقضي الحاجة.

وفي تلك الأيام، كان الفقراء يزدادون ألمًا، وكلما مرّت الأيام، بدأوا يدركون أن ما يحصلون عليه من فتات لا يعبر عن رحمة حقيقية. رمضان، الذي كان من المفترض أن يجلب لهم الفرح والطمأنينة، أصبح موسمًا جديدًا في تسويف الأمل، وموسمًا آخر لتوزيع وهم الرحمة. كانت الوعود تصبح أكثر مرارة، وكلما مرّ الزمان، كان الفقر يزداد تشبثًا بالحياة، بينما كان من يديرون الأمور يبتسمون في الظل، راضين بما جمعوه من مأساة الآخرين.

كان الشهر الذي يحمل في طياته معاني التغيير والتحول، يتكشف أكثر فأكثر عن واقع مرير. لا أحد كان يراقب عن كثب سوى أولئك الذين يعيشون بين الظلال، حيث لا مكان للرحمة، ولا للكلمات الطيبة. فقط كانت تلك الوعود تمشي على الأرض وتختفي في الهواء، بينما كان الجوع يزداد في كل زاوية، والحاجة تتسلل إلى القلوب من دون أن يشعر بها أحد.

في كل مرة يظهر فيها جرح جديد، كان الفقر هو الجرح الأعمق الذي لا يُرى، لكن الجميع يشعر بآثاره. كل أزمة جديدة كانت تُستغل لزيادة معاناة الفقراء، الذين أصبحوا ورقة في يد من يتاجرون بألمهم. يُغذون بالوعود الزائفة ويُتركون في دوامة لا تنتهي، معاناتهم تصبح سلعة تُعرض في أسواق السياسة. يُستخدم الفقير في كل أزمة ليس لنيل حقه، بل ليُستغل في صراع لا علاقة له به. يُظن أن المساعدات الرمضانية هي الحل، لكن الحقيقة أن الفقر يتسرب أكثر إلى قلوبهم، بينما يختفي أولئك الذين يتاجرون به خلف شعارات التضامن، يرضون ضمائرهم بتوزيع الفتات، ويغلقون آذانهم عن صرخات الجياع. أصبح الفقراء مجرد أدوات في لعبة أكبر، لا يُسمع لهم صوت، ولا تُرى دموعهم، فقط ينتظرون أن تنتهي اللعبة.

في ليالي رمضان، يظل يكذب عليك بلا تردد، وهو لا يبالي بتلك الأكاذيب التي تتسلل من بين خرجاته المفضوحة. بعد أن سقطت آخر أوراق التوت التي كان يختبئ خلفها ليخفي نواياه المظلمة، أصبح يستغل ضعفاء الناس في صمت، يغرهم بوعد العطاء الذي لا يتعدى كونه وهماً. قفف الجود التي يقدمها مجرد سراب، لا تحمل من الجودة شيئاً سوى الواجهة الزائفة التي يظن أنها تبرئه من سوء النية. وفي تلك الليالي المباركة، يكون قد تجرّد من كل قيمة حقيقية، ليغذي نفسه بمكاسب لا تستحق إلا الازدراء، بينما يبقى الغافلون تحت تأثير سحره.

وفي آخر الليل، حين تنقضي ساعات الصيام وتعود الأسر إلى بيوتها، كان الفقراء يلتفون حول مائدة فقيرة، يملأها القليل من الخبز، بينما يُستمرئ المتنفذون طعامهم على موائد مملوءة بأفخم الأطعمة. ورغم كل ذلك، كانت المعركة الوحيدة التي يخوضها الفقراء هي الانتظار، انتظار لحظة ينسى فيها العالم أنهم موجودون، أو أن الفقر ليس سوى لعبة سياسية تتكرر كل عام، في رمضان وغيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى