قضايا

عندما يتحول الإصلاح إلى غطاء للريع: الحكومة تشرعن الاستثناء وتفتح الباب أمام الفساد

في وقتٍ يتصاعد فيه الغضب الشعبي ضد الفساد والريع، اختارت الحكومة المغربية أن تمضي في الاتجاه المعاكس، موقّعة على خطوة تُثير الكثير من الجدل والشكوك: فتح باب الصفقات العمومية عبر التفويض التفاوضي بدعوى “الاستعجال”، وهي صيغة تتيح تمرير العقود دون منافسة مفتوحة، وتعيد إلى الأذهان ممارسات ما قبل الإصلاح.

الوثيقة التي وقّعها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بتنسيق مع وزير الصحة أمين التهراوي، تمثل ـ في نظر العديد من المتتبعين ـ انزلاقًا خطيرًا عن مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص التي جاء بها قانون الصفقات العمومية، والذي وضع أساسًا لضمان الحكامة الجيدة ومحاربة المحاباة.

الحكومة التي ترفع شعار “الإصلاح” تجد نفسها اليوم أمام تناقض صارخ بين القول والفعل؛ فبدل أن تُكرّس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، تُشرعن الاستثناء وتُغذي الشك في النوايا. كيف يمكن للمغاربة أن يثقوا في إصلاح تُدار فيه الصفقات “تحت الطاولة” بحجة الاستعجال؟

الخطير في الأمر أن هذا القرار يأتي في ظرفية دقيقة، حيث يتطلع المواطن إلى إصلاح حقيقي يُعيد الثقة في المؤسسات، ويقطع مع الريع الذي نخر المالية العمومية لعقود. لكن ما يحدث الآن يُظهر أن “الإصلاح” قد تحوّل إلى شعار يُغطي على استمرار نفس العقليات، وأن منطق “الصفقات بالتراضي” ما زال يجد له مكانًا في دواليب الدولة، ولو بغطاء قانوني.

الملك محمد السادس دعا في أكثر من مناسبة إلى ترسيخ العدالة المجالية وضمان نجاعة الإنفاق العمومي، لكن ما يحدث اليوم يُفرغ تلك التوجيهات من مضمونها. فحين يُسمح بإبرام الصفقات دون منافسة، فإننا نعود خطوات إلى الوراء، إلى زمن كانت فيه العلاقات أقوى من الكفاءة، والولاءات أهم من المصلحة العامة.

الحكومة مطالبة اليوم بمراجعة قرارها وتقديم توضيحات للرأي العام، لأن شرعنة التفويض التفاوضي لا يمكن أن تُبرر بالاستعجال، ولا يمكن أن تمر دون مساءلة. فالقانون ليس مجرد أداة للتأثيث الإداري، بل هو تعاقد أخلاقي بين الدولة والمواطنين.

إن الخطر الحقيقي ليس في الاستعجال، بل في الاستسهال — حين يُصبح القانون مجرد حبر على ورق، وتتحول الصفقات العمومية إلى غنيمة تُوزع على المقربين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى