زلزال “مسبح القرويين” يحاصر عمدة فاس.. والي الجهة يدخل على خط التطهير!

شهدت مدينة فاس، زوال أمس الخميس الموافق 20 نوفمبر 2025، تطوراً إدارياً غير مسبوق في ملف فضيحة “مسبح القرويين”، حيث قاد والي جهة فاس مكناس الجديد، خالد أيت طالب، أولى خطواته العملية الصارمة في معركة تطهير الجماعة. فقد أصدر الوالي تعليماته الصريحة للسلطات المحلية والأمنية باقتحام المرفق وإفراغه من المحجوزات التابعة للجمعية المستغِلة. هذا التحرك، الذي جاء بعد يوم واحد من احتجاجات غاضبة للأباء (الأربعاء 19 نوفمبر)، يؤكد أن السلطة الوصية قررت إنهاء حالة الاستثمار السري في الملك العام التي مارستها جماعة فاس في شخص عمدة المدينة.
تُعد فضيحة مسبح القرويين، الذي شُيّد بمبادرة ملكية في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH) لخدمة الأطفال والشباب مجاناً أو بثمن رمزي، نموذجاً صارخاً لـ “الريع السياسي”. حيث تم اختطاف المرفق وتحويله إلى مصدر إثراء خاص لجمعية يرأسها مدير المصالح الجماعية، وهو المقرَّب الأول من العمدة عبد السلام البقالي، مما يفتح الباب واسعاً أمام تهم تضارب المصالح والتواطؤ.
الكارثة الحقيقية التي تُصنف كـ “اختلاس مُقنّع للمال العام” هي أن جماعة فاس، وتحت إشراف العمدة البقالي، كانت تتكفل بتسديد فواتير الكهرباء والماء الهائلة للمرفق المستغَل تجارياً، والتي بلغت كلفتها على الخزينة العامة ما يناهز 17 مليون سنتيم. هذا ليس مجرد خطأ إداري؛ بل هو إهدار ممنهج ومُتعمَّد لأموال دافعي الضرائب، يضع العمدة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإهمال الجسيم والغباء الإداري، أو التغطية المتعمدة التي ترقى إلى شبهة التواطؤ في الفساد.
لقد ظل المسبح يعمل لسنوات طويلة بطريقة غير قانونية تحت مرأى ومسمع الجماعة. إن قرار العمدة بإغلاق المسبح لم يكن وليد إحساس بالمسؤولية، بل كان استسلاماً مذلاً أمام سيف المساءلة بعد أن وجه إليه الوالي بالنيابة السابق، خالد الزروالي، استفساراً حاداً يطلب تفسيراً للاستغلال غير المشروع. هذا الإغلاق، الذي أضر بالأباء المنخرطين الذين احتجوا غاضبين، كان محاولة يائسة لـ “لملمة الفضيحة”، وهو دليل دامغ على أن البقالي فقد مصداقيته وأثبت أنه تابع لا يتحرك إلا بأمر من السلطة الوصية، مفضلاً التضحية بحقوق المواطنين على مواجهة فساد مقربيه.
التطور الأكثر خطورة الذي يُحوّل القضية إلى أبعاد جنائية هو مطالب دخول الفرقة الجهوية للشرطة القضائية على الخط للتحقيق في الملف. هذا التدخل يعني أن السلطات العليا لم تعد تثق في قدرة الجماعة أو رغبتها في ترتيب بيتها الداخلي. تدخل الشرطة القضائية يضع كل من وقع على فواتير الدفع، وعقود التسيير المشبوهة، وفي مقدمتهم العمدة ومسؤولي المصالح الجماعية، تحت طائلة التحقيق الجنائي الذي قد ينتهي بتوجيه تهم ثقيلة تتعلق بـ “استغلال النفوذ وتبديد المال العام”. إن عرش البقالي يهتز بشدة، ومصيره بات مرهوناً بالعدالة لا بالتوازنات السياسية.
إن فضيحة مسبح القرويين ليست حالة فردية؛ إنها تعرية لثقافة الريع والاستغلال التي تتعشعش في قلب العاصمة العلمية. بعد التحرك الشجاع لسلفه الوالي بالنيابة، تقع على عاتق الوالي الجديد، خالد أيت طالب، مسؤولية تاريخية.
المطلب الشعبي هو أن يواصل الوالي جهود التطهير، وأن يُشرف على نتائج التحقيق المحايد لضمان تطبيق مبدأ “لا حصانة ولا نفوذ” لأي مسؤول مد يده إلى المال العام. إن الأخطاء الجسيمة والمتوالية التي يرتكبها العمدة البقالي في التسيير تستوجب، وبقوة، رفع دعوى أمام المحكمة الإدارية لعزله عن مهامه، لتكون إزاحة كل من تواطأ على تحويل مرفق عام إلى مصدر ثراء خاص هي الخطوة الأولى والضرورية لإنقاذ فاس من مستنقع سوء التدبير.
إن فضيحة مسبح “القرويين” ليست حالة فردية؛ بل هي نقطة انطلاق حاسمة لكشف الفساد الذي ينخر جماعة فاس ويتعشعش في مرافقها الأخرى. لقد أصبح المطلب الشعبي والرسمي هو إزاحة عبد السلام البقالي من منصبه. لا يمكن لعمدة متهم قضائياً ويرتكب أخطاء جسيمة متوالية في تدبير المرفق العمومي أن يستمر في منصبه.
اليوم، تقع على عاتق الوالي خالد أيت طالب مسؤولية تاريخية للعمل بشجاعة على تسريع الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة، والتقدم بدعوى العزل أمام القضاء الإداري، وقطع دابر الفساد في جماعة فاس، لإنهاء زمن استغلال المناصب العمومية لأغراض شخصية وإثرائية، ووضع حد لمسلسل الإهمال الذي يغرق المدينة.






