حين يتحوّل التسيير إلى “مقاولة أشغال”.. أوراش مقاطعة أكدال تعيد فتح النقاش حول فوضى الاختصاصات بفاس

أعلن مجلس مقاطعة أكدال–فاس، عن إطلاق ورش جديد لتأهيل وصيانة مجموعة من الحدائق والفضاءات العمومية. خطوة تبدو في ظاهرها إيجابية، لكنها تعيد إلى الواجهة سؤالاً أكبر: من يملك حق إنجاز المشاريع والأوراش في مدينة فاس؟ ومن يحاسب على الأعطاب المتراكمة في مشاريع الجماعة؟
ورغم أن المقاطعة عبّرت عن نيتها “تحسين جمالية المجال الحضري”، إلا أن هذا الحماس لتنفيذ الصفقات يثير كثيراً من علامات الاستفهام، لسبب بسيط يعرفه الجميع:
رؤساء المقاطعات لا يملكون، ميزانية ضخمة لإطلاق المشاريع الكبرى ولا تمرير الصفقات المُهيكلة.
مهامهم، كما ينص القانون التنظيمي، تقتصر على التسيير المحلي، القرب، وتدبير الشأن اليومي للسكان و ليس مشاريع بملايين الدراهم،مع العلم أن ميزانية المقاطعات لا تصل مليار سنتيم.
المشاريع والأوراش الكبرى، سواء كانت تهيئة ساحات أو حدائق أو طرق، هي اختصاص حصري لشركات التنمية المحلية المنشأة لهذا الغرض، وعلى رأسها:
شركة التنمية المحلية للتهيئة – فاس الجهة.
هذه الشركات أحدثتها وزارة الداخلية تحديداً لضمان الجودة، السرعة، والحياد السياسي، حتى لا تتحول المشاريع إلى أدوات انتخابية أو واجهات دعائية.
لكن ما يحدث اليوم بفاس يعكس العكس تماماً:
مقاطعات تتحرك وكأنها مقاولات، رؤساء يسابقون الزمن للظهور الإعلامي، وصفقات تُفتح وتغلق دون رؤية شمولية، بينما مشاريع الجماعة الأصلية ما تزال معطلة، متوقفة أو تعرف اختلالات خطيرة كما تشهد عليه عدة أحياء.

قبل الحديث عن حدائق الدكارات وحي الإمام علي والمقاصد العمرانية الجديدة، ربما كان الأولى بجماعة فاس ومقاطعاتها أن تشرح للمواطنين:
-
لماذا تعثر مشروع المسالك الحضرية لسنوات؟
-
لماذا تأخر إصلاح عدد من الحدائق التي رُصدت لها ملايين الدراهم؟
-
لماذا ظلّت مشاريع سبق الإعلان عنها في عهد المجلس الحالي حبراً على ورق؟
-
ولماذا لا تُنشر تقارير مفصلة حول مآل الصفقات السابقة؟
هذه الأسئلة تتكرر، لكن الصمت الرسمي مستمر.
إنّ إطلاق أوراش من هذا النوع داخل مقاطعات فاس دون إحكام ضبط الجودة و نجاح الإنجاز يفتح الباب أمام الفوضى، وتضارب المسؤوليات، وإمكانية تداخل المصالح.
وهنا يبرز الدور المحوري للوالي خالد آيت الطالب، باعتباره المشرف على احترام المقتضيات القانونية والتنظيمية، لضمان:
-
أن تتوقف المقاطعات عن الدخول في منطق المقاولات والصفقات.
-
وأن تعود المشاريع الكبرى إلى شركة التنمية المحلية، كما خُطِّط لها وطنياً.
-
وأن تُحسم ملفات المشاريع المتعثرة والمختلة التي لا تزال تؤرق الساكنة يومياً.
وزارة الداخلية أسست الشركات الجهوية للتنمية لسبب واضح:
فصل السياسة عن التنمية، وتقديم خدمات حضرية بمعايير عالية، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة.
لكن ما يحصل اليوم بفاس يعكس استمرار الصراع على الظهور بدل التركيز على خدمة المدينة، فبدل إصلاح الاختلالات البنيوية في طرق، مساحات خضراء، إنارة ومرافق عمومية، تنشغل المقاطعات بسباق “الأوراش الصغيرة” التي تُعلن بسرعة وتُنجز ببطء، أو لا تُنجز إطلاقاً.
ليس المشكل في صيانة حدائق ولا تبليط مسارات…
المشكل الحقيقي هو غياب احترام هندسة الاختصاصات، وتداخل السياسي بالإنمائي، وتكرار المبادرات العشوائية بدل الالتزام بالمسار المؤسساتي الذي اختارته الدولة.
ففاس، بكل تاريخها وثقلها، تستحق أكثر من مجرد “صور أشغال” وبلاغات موسمية.
تحتاج تخطيطاً، جودة، وهيئات متخصصة…
وتحتاج قبل كل شيء تسييراً حقيقياً لا دعاية انتخابية متنكرة في ثوب أوراش حضرية.






