اقتصاد

حافلات “الشينوا” تصل.. متى يتنفس مرفق النقل الحضري بفاس الصعداء؟

على وقع الاحتفاء بوصول الدفعات الأولى من الحافلات الجديدة، ضمن البرنامج الوطني الطموح للنقل الحضري، إلى موانئ أكادير وطنجة، يزداد التساؤل إلحاحاً في عاصمة الأدارسة: متى يحين دور فاس؟

إن المدينة التي عانت لسنوات طويلة من “أزمة طوبيسات مزمنة”، أثرت على حياتها الاقتصادية والاجتماعية وشوهت صورتها كمركز روحي وعلمي، لا تزال تترقب بخوف وقلق وصول حصتها من هذا البرنامج الوطني الذي رصدت له الدولة 11 مليار درهم. إن قضية النقل في فاس ليست مجرد مشكلة لوجستية، بل هي أزمة بنيوية في التدبير، تتطلب حلاً جذرياً وفورياً.

خاضت فاس معركة النقل الحضري وحيدة لسنوات، تميزت بمشاهد مؤسفة لا تليق بتاريخها:

  1. هروب المدبر القديم (سيتي باص): عجلت الأزمة المتفاقمة والضغوط الاحتجاجية، خاصة من فئة الطلبة، بإنهاء عقد التدبير المفوض السابق، مما كشف عن هشاشة القطاع.
  2. الدفتر “الملغوم” لـ “إيصال”: جاءت شركة “إيصال” (التابعة لمجموعة CTM) لتدبير المرحلة الانتقالية، لكن دفتر تحملاتها بدا وكأنه يركز على “مناولة التسيير” بدلاً من “شراء الأسطول وتحديثه”، مما أبقى جوهر المشكلة قائماً.
  3. الارتجالية في التحديث: تحت وطأة الضغط الشعبي ومع بداية الموسم الدراسي الجديد، تم استقدام 40 حافلة “مستعملة” كانت تعمل سابقاً بالدار البيضاء. هذا السلوك الإداري، الذي يميل إلى “شراء الخردة” لتأمين الخطوط الأساسية التي تم التخلي عن الكثير منها سابقاً، يكرس منطق الحلول المؤقتة على حساب التنمية المستدامة.

إن مدينة فاس، التي تعتمد على الحلول الترقيعية وتستجدي “المستعمل” من حافلات المدن الأخرى، باتت في حاجة ماسة إلى تدخل وطني حاسم ينهي عقوداً من سوء التدبير.

الإعلان عن وصول الدفعات الأولى من الحافلات الصينية (“الشينوا”) إلى مدن أخرى، يضع مدينة فاس أمام سؤال شرعي: متى تصل حصتها، ولماذا لم تكن ضمن المستفيدين الأوائل؟

  • موقع فاس في البرنامج الوطني: مع الأخذ بالاعتبار تصريحات المسؤولين بوزارة الداخلية، فإن فاس مشمولة ضمن الشطر الأول من البرنامج الوطني (رفقة طنجة وتطوان والرباط وأكادير)، والذي يشمل توزيع نحو 1487 حافلة على المدن المعنية. وبما أن الوزير لفتيت تحدث عن وصول 1000 حافلة في نهاية أكتوبر وبداية نوفمبر، يجب أن تكون فاس، التي تعاني من أسوأ أزمة نقل، هي المستفيد الأول من هذه الدفعة لإنقاذ الموسم والساكنة.
  • رهان كأس العالم 2030: إن التزام المغرب باستضافة كأس العالم 2030، يفرض على فاس، كمدينة مضيفة مرتقبة، الوفاء بتعهداتها. التقارير والدراسات المقدمة للاتحاد الدولي (فيفا) تضمنت التزاماً بـ 260 حافلة حديثة على الأقل، إلى جانب مشاريع الباسواي وتهيئة الطرق. إن استمرار الاعتماد على الحافلات المستعملة والأسطول المتهالك يهدد مصداقية هذا الالتزام، ويستوجب تفعيل صفقة الحافلات الجديدة دون تأخير.

لحل أزمة النقل الحضري بفاس بشكل مستعجل وبنيوي، يجب اتخاذ خطوتين متوازيتين:

  1. تحرير القطاع من الحسابات المحلية الضيقة: يجب على السلطات الإقليمية (الولاية) أن تعمل على إبعاد جماعة فاس عن التدبير اليومي والمفصلي للنقل الحضري، على الأقل في مرحلة التأسيس للمنظومة الجديدة. لقد أثبتت التجارب السابقة أن هيمنة الزبونية والحزبية على صفقات وعقود التدبير لا تؤدي إلا إلى تخريب القطاع. يجب تأسيس هيئة تدبير مستقلة ومحاسبة تضمن الشفافية والمساءلة وتضع المواطن في صلب الخدمة.
  2. الانفتاح على حلول النقل الذكية (الباسواي على العجلات): بدلاً من الاقتصار على الحلول التقليدية، يجب على فاس أن تستلهم من التجارب الدولية الناجحة. حافلات “الشينوا” لم تعد مجرد حافلات عادية؛ ففي الصين، تعمل شبكات “الباسواي” و “الترامواي على العجلات” بتقنية عالية الجودة، وهي حلول أكثر مرونة وأقل كلفة من الترامواي السككي، ويمكن أن تتكيف مع الهيكل الحضري لمدينة فاس.

إن وصول حافلات الجيل الجديد إلى مدن المملكة هو إشارة إيجابية. لكن بالنسبة لفاس، يجب أن تكون هذه الإشارة مصحوبة بـ قرار سياسي حاسم يضمن وصول حصتها عاجلاً، ويؤسس لتدبير مستدام، لا يدور في فلك “المناولة والترقيع”، بل يضمن لساكنة العاصمة الروحية خدمة نقل حضري تليق بتاريخها ومكانتها المرتقبة كـ “مدينة مونديالية” بامتياز. الوقت يداهم المسؤولين، والانتظار بات مكلفاً جداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى