مجتمع

بمقاربة ميدانية تستحضر المفهوم الجديد للسلطة… الوالي أيت طالب يفكّك عزلة “فضاءات السعادة” ويربطها بشبكة النقل الحضري بفاس

في خطوة إدارية ذات حمولة اجتماعية قوية، تمكّن والي جهة فاس مكناس، عامل عمالة فاس، خالد أيت طالب، من طيّ واحد من الملفات الاجتماعية التي ظلّت عالقة لسنوات بدوار الكعدة التابع لجماعة عين البيضا، حيث كانت ساكنة المجمع السكني “فضاءات السعادة” تعيش على إيقاع عزلة نقل خانقة، أثّرت بشكل مباشر على تنقّل مئات الأسر نحو وسط المدينة ومرافقها الحيوية.

ومع حلول شهر رمضان، شهر التضامن والتكافل، تحرّكت السلطات الجهوية بإشراف مباشر من الوالي، ليتم تخصيص خط جديد للنقل الحضري يربط المجمع السكني بمدارة حي النرجس، أحد المحاور الحيوية بمدينة فاس، عبر عدة حافلات تؤمّن تنقلاً منتظماً ويومياً لفائدة الساكنة.

عزلة دامت سنوات… ومعاناة يومية

لسنوات طويلة، ظلّت مئات الأسر المقيمة بـ“فضاءات السعادة” تعاني من غياب شبه كلي لوسائل النقل العمومي. فباستثناء حافلة كانت قد خصصتها في وقت سابق الشركة العقارية المشرفة على المشروع، والتي لم تكن تشتغل بانتظام، وجد السكان أنفسهم أمام واقع يومي صعب: تلاميذ وطلبة يقطعون مسافات طويلة، موظفون وعمال يتأخرون عن مقرات عملهم، ومرضى يجدون مشقة في الوصول إلى المرافق الصحية.

هذا الوضع الاجتماعي المعقّد ظل مطروحاً دون حل جذري، إلى أن جاء تدخل والي الجهة، الذي وضع الملف ضمن أولوياته، في إطار رؤية تقوم على الإنصات الميداني والاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنين.

تدخل حاسم في توقيت دال

اختيار توقيت رمضان لإطلاق الخط الجديد لم يكن اعتباطياً، بل يعكس بعداً إنسانياً في التعاطي مع القضايا الاجتماعية. فالشهر الفضيل، الذي يشهد ارتفاعاً في وتيرة التنقل، خاصة خلال الفترات المسائية، تطلّب توفير وسيلة نقل تحفظ كرامة الساكنة وتخفف عنهم أعباء التنقل.

وقد باشرت الحافلات الجديدة عملها بشكل فعلي، لتؤمّن ربطاً مباشراً بين المجمع السكني ووسط المدينة عبر مدارة حي النرجس، ما مكّن الساكنة من الولوج إلى مختلف خطوط النقل الحضري، وبالتالي الانخراط الكامل في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.

ارتياح واسع في صفوف الساكنة

الساكنة لم تُخفِ ارتياحها الكبير لهذا التدخل، حيث عبّر عدد من المواطنين عن إشادتهم بمبادرة الوالي، معتبرين أنها أنهت معاناة طال أمدها، وأعادت إليهم الإحساس بالانتماء الفعلي إلى المجال الحضري لفاس.

وأكدت فعاليات محلية أن هذا القرار “يُحتسب لوالي الجهة”، لأنه لم يكتفِ بمعالجة الملف إدارياً، بل تعاطى معه باعتباره قضية كرامة اجتماعية وحقاً أساسياً في التنقل، وهو ما يعكس فهماً عميقاً لأبعاد التنمية المجالية المتوازنة.

أربعة أشهر… دينامية جديدة في تدبير الشأن الترابي

منذ تعيينه على رأس ولاية جهة فاس مكناس قبل حوالي أربعة أشهر، أبان خالد أيت طالب عن مقاربة مغايرة في تدبير الملفات الاجتماعية والتنموية، قوامها:

  • النزول الميداني والإنصات المباشر للمواطنين؛

  • تتبع الملفات ذات الطابع الاجتماعي المستعجل؛

  • التنسيق الفعلي مع مختلف المتدخلين، من جماعات ترابية وشركات مفوض لها تدبير مرافق عمومية؛

  • ربط المسؤولية بالمحاسبة في تنزيل المشاريع والخدمات.

وقد برزت هذه المقاربة في عدد من الملفات ذات الأولوية، سواء المرتبطة بتحسين الخدمات العمومية، أو مواكبة المشاريع التنموية، أو معالجة بعض الاختلالات التي كانت تعيق ولوج الساكنة إلى حقوقها الأساسية.

تجسيد فعلي للمفهوم الجديد للسلطة

يعكس هذا التدخل انسجاماً واضحاً مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تنزيل المفهوم الجديد للسلطة، القائم على جعل الإدارة في خدمة المواطن، واعتماد القرب والتفاعل الإيجابي مع انتظاراته.

فالوالي، بصفته مسؤولاً ترابياً، استوعب بسرعة رهانات المرحلة، وجعل من الاستجابة الفورية للقضايا الاجتماعية مدخلاً لتعزيز الثقة بين المواطن والإدارة. وهو ما تجسّد في التعاطي مع ملف النقل بدوار الكعدة، الذي تحوّل من مطلب متكرر إلى حل ملموس على أرض الواقع.

رؤية إدارية قائمة على العدالة المجالية

إن ربط “فضاءات السعادة” بشبكة النقل الحضري لا يُعد مجرد إجراء تقني، بل يندرج ضمن رؤية أشمل تروم:

  • فك العزلة عن التجمعات السكنية الحديثة؛

  • ضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الخدمات؛

  • تعزيز الإدماج المجالي والاجتماعي؛

  • دعم الاستقرار الأسري والمهني للساكنة.

وهي رؤية تؤكد أن التنمية لا تقاس فقط بحجم المشاريع الكبرى، بل أيضاً بقدرة الإدارة على حل الإشكالات اليومية التي تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر.

خطوة صغيرة بأثر كبير

قد يبدو إحداث خط نقل حضري إجراءً بسيطاً في ظاهره، لكنه بالنسبة لساكنة فضاءات السعادة مثّل تحولاً حقيقياً في نمط عيشهم اليومي. فبعد سنوات من الانتظار، أصبح بإمكانهم التنقل بانتظام، والالتحاق بأعمالهم ودراستهم دون عناء، وقضاء أغراضهم الإدارية والصحية بسهولة أكبر.

إنها خطوة تُحسب لوالي جهة فاس مكناس، وتؤشر على مرحلة جديدة في تدبير الشأن الترابي، عنوانها: القرب، الفعالية، والإنصات.

وفي مدينة بحجم فاس، حيث تتداخل التحديات الاجتماعية بالعمرانية، تظل مثل هذه المبادرات دليلاً على أن الإرادة الإدارية قادرة على تحويل المطالب المؤجلة إلى مكتسبات ملموسة، حين تتوفر الرؤية ويُفعَّل مبدأ خدمة المواطن باعتباره جوهر العمل الترابي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى