بعد سنوات من الارتباك والحوادث.. إعفاء مدير مطار فاس سايس بعد حقبة “النحس” واستعداد لتنصيب قيادة جديدة قبل المونديال

في قرارٍ حاسمٍ وضروري، أنهى المكتب الوطني للمطارات فترةً سوداء من التدبير في مطار فاس سايس بإعفاء المدير السابق مصطفى الخدري، في خطوةٍ تُعدّ مقدمة لتنصيب قيادة جديدة يُنتظر أن تطهر المؤسسة من اختلالاتٍ متجذرة وتضع حداً لعبثٍ أدّى بالمطار إلى الانحدار على مستويات متعددة، من جودة الخدمات إلى معايير السلامة التشغيلية. القرار يأتي في وقتٍ حسّاسٍ تستعد فيه المملكة لاستعدادات ضخمة مرتبطة بتنفيذ أوراش توسعة البنية التحتية وتجميل الواجهات الجوية استعداداً لكأس العالم 2030، ما يجعل من إعادة هيكلة الإدارة أمراً لا محيد عنه.
إدارة فاشلة وسجل مأساوي لا يقبل المزايدة. خلال عهدة الخدري، التي بدأت بتعيينات سابقة في ماي 2022، شهد المطار تراجعاً ملموساً في معايير استقبال المسافرين وتنظيم المسارات الأرضية والمناولة، مع تراجعٍ واضح في مستوى التنسيق بين المصالح الفنية والأمنية واللّوجيستية. و رتاجع في جميع الخدمات و تدني مرفق النظافة و الإستقبال ،و فوضى محطة ركن السيارات ،و صراع داخلي بين الموظفين و المستخدمين ،هذا التراجع لم يقتصر على مظاهر الخدمة اليومية، بل ترافق مع حوادث جوية خطيرة كشفت هشاشة إدارة المخاطر لدى المطار: في 11 أبريل 2025 خرجت طائرة مدنية خاصة من طراز Hawker XP800 عن المدرج واصطدمت بسياج المطار ما أسفر عن إصابات كان من الممكن أن تتحول إلى كارثة لو لم تُتخذ إجراءات طارئة لتقليل الأضرار، وفي 28 يوليوز 2025 تحطمت طائرة تدريب عسكرية من طراز AlphaJet قرب المطار مخلفة ضحايا من صفوة الطيارين المغاربة، حادثٌ دموي أراحَ فيه أحدَ دوافع الاعتراض الشعبي على كيفية تسيير المجال الجوي والتنسيق بين المدني والعسكري في محيط المطار.
ما حصل ليس مجرد سلسلة حوادث منفصلة، بل نتاج فعل إداري متراكم. أخطاء في الصيانة، ثغرات في السيطرة على مسارات الطيران، ضعف في الإشراف على شركات المناولة، وتبيان لخلل في احترام بروتوكولات السلامة. كل ذلك خلطَ بين مسؤولية فنية وأخرى إدارية، فكانت النتيجة تدهوراً في الثقة العامة واحتقاناً في صفوف العاملين.
لا يقلّ عن فشل المدير السابق ما يرتبط بخروقاتٍ خطيرة داخل المؤسسة. هناك مسؤولٌ مكلفٌ بالتنسيق مع شركات المناولة تصرفت صلاحياته كسلعة، واستغل منصبه لممارسة ضغوط وتصفيات حسابات شخصية ضد عشرات العاملين. أكثر من 27 عاملًا وعاملة في قطاع التنظيف تقدموا بشكاوى لما تعرضوا له من تجبر وتهديدات وإقصاء و طرد مجاني دون أي حقوق تذكر، وهي وقائع تُظهر كيف يمكن لمحسوبيةٍ فردية كانت تسيطر على مدير “النحس” أن تهدِّم سير العمل وتضع في مهبّ مصالح المسافرين وسلامتهم. المكتب الوطني للمطارات مطالب فوراً بإنهاء مهام هذا المسؤول وحرمانه من أي دور رقابي أو تنسيقي حتى نهاية تحقيقٍ شفاف ومستقل.
المطار على مفترق طرق. على الطاولة مشاريع توسعة ضخمة بتكلفةٍ تبلغ حوالي 500 مليون درهم تهدف إلى مضاعفة الطاقة الاستيعابية إلى نحو 5 ملايين مسافر سنوياً وبناء محطة جديدة تمتدُّ على نحو 46 ألف متر مربع وتحديث ساحات وقوف الطائرات وتجهيزات الفرز والأمن. هذه المبالغ الطائلة لا ينبغي أن تُنفَذ على قاعدة إدارة مريضة ومشبوهة. لا جدوى من بناياتٍ فاخرة وتجهيزات حديثة إذا ظلّت الإدارة ملوّثة بالزبونية والريع والغياب التام للمساءلة.
المطلوب الآن ليس مجرّد استبدال أسماء على أبواب المكاتب، بل إطلاق عملية إصلاح شاملة تبدأ بتحقيقٍ إداري وفني مستقل يكشف مَدينَةَ الأخطاء ويحدّد المسؤوليات، ويمتد إلى برنامج طموح لإعادة تأهيل الكوادر وتحديث بروتوكولات السلامة وتحرير عقود شركات المناولة بمعايير شفافة و نزيهة و بعيدة من أي امتيازات تُخرِجُ المرفق عن مساره المهني. كما يجب أن يكون تعيين المدير الجديد مبنياً على معايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على إدارة الأزمات، لا على ولاءاتٍ داخلية أو مساومات إدارية.
على المكتب الوطني للمطارات أن يضاعف الرقابة ويعلن خارطة طريق زمنية وملموسة لإصلاح المطار، ويجعل من الشفافية شرطاً في كل قرار إداري. على القيمين إخراج نتائج التحقيقات وتطبيق عقوبات رادعة ضد من أساءوا للمرفق أو استغلوا مواقعهم لابتزاز العمال أو ضرب منظومة السلامة.
فاس سايس ليست مجرد منشأة؛ هي بوابة العاصمة العلمية وواجهةٌ تحمل اسم الوطن، ولا يجوز أن تكون مضرب مثلٍ في سوء التدبير أو منبع أخطاءٍ قد تكلف أرواحاً ومليارات. إنه زمن الحساب والقطع مع «حقبة النحس» واستبدالها بعهدٍ جديد عنوانه الاحتراف والمسؤولية.






