المنصوري تعرض برنامج حكومتها أمام البرلمان.. 350 مليار درهم ومليون منصب شغل وتعهدات بمحاربة الفساد وإصلاح الصفقات العمومية

فاس 24: الرباط – 19 أكتوبر 2026
وضعت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، برنامج حكومتها أمام مجلسي البرلمان، في أول محطة دستورية كبرى عقب تشكيل الأغلبية الجديدة، معلنة توجهات تروم تحريك الاقتصاد الوطني، وتحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وإصلاح الخدمات العمومية، وتعزيز النزاهة في تدبير المال العام، إلى جانب تقوية السيادة المائية والطاقية والغذائية.
ويأتي هذا العرض في سياق سياسي واقتصادي حساس، إذ تنتظر الحكومة الجديدة اختبارا مزدوجا يتمثل في الاستجابة للمطالب الاجتماعية المتراكمة، والحفاظ على التوازنات المالية، بالتزامن مع الاستعداد لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027. كما يفتح البرنامج مرحلة جديدة من المساءلة السياسية، بعدما انتقلت المنصوري من مشاورات تشكيل الأغلبية إلى تقديم الالتزامات أمام ممثلي الأمة.
350 مليار درهم لتغيير المسار الاقتصادي والاجتماعي
من أبرز الأرقام المرتبطة بالبرنامج الحكومي كلفة إضافية تقديرية تناهز 350 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، وفق البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تتولى المنصوري قيادته. وتقوم هذه الرؤية على خمسة مواثيق تشمل القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، والمواطنة، والأمان، والنمو والاستدامة.
ويرتبط هذا الطموح بهدف تحقيق معدل نمو اقتصادي سنوي يبلغ خمسة في المائة، بما يسمح بتوسيع الموارد المتاحة لتمويل الالتزامات الاجتماعية والاستثمارية. لكن التحدي الأساسي يكمن في تحديد مصادر التمويل الفعلية، ومدى قدرة النمو على توفير الموارد المتوقعة، وكيفية توزيع الاعتمادات بين القطاعات والأولويات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع اقتراب إيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي سيكشف عن مدى ترجمة التوجهات السياسية إلى اختيارات مالية واعتمادات قابلة للتنفيذ.
مليون منصب شغل في خمس سنوات
يحتل التشغيل موقعا مركزيا ضمن التعهدات الاقتصادية، إذ يستهدف البرنامج الانتخابي للحزب إحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية، وخفض معدل البطالة إلى سبعة في المائة بحلول سنة 2031.
وتتوزع التصورات المعلنة على قطاعات الصناعة والخدمات والأنشطة المرتبطة بالاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030، إلى جانب دعم المقاولات والاستثمار المنتج والتكوين المهني. غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي توفير فرص عمل مستقرة ومصرح بها، ومعالجة الفجوة بين التكوين وحاجيات سوق الشغل، وتوسيع استفادة الشباب في مختلف الجهات من المشاريع الاستثمارية.
كما يتطلب الأمر تحديد منهجية احتساب المناصب الجديدة، والتمييز بين فرص العمل الدائمة والمؤقتة، ونشر حصيلة دورية تسمح بقياس التقدم الفعلي نحو الهدف المعلن.
الصفقات العمومية ومحاربة الفساد
ومن الملفات التي برزت في التوجهات المعلنة تعزيز فرص المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في الولوج إلى الصفقات العمومية، من خلال تخصيص نسبة ثلاثين في المائة من مبالغها لهذه الفئة، بما يهدف إلى توسيع قاعدة المستفيدين من الاستثمار العمومي ودعم المقاولات المغربية.
ويرتبط هذا الالتزام بتعزيز المنافسة والشفافية، والتصدي للممارسات التي قد تخل بتكافؤ الفرص، بما فيها التواطؤ المحتمل بين المتنافسين. كما برزت تعهدات باستكمال الإطار القانوني والمؤسساتي لمحاربة الفساد، والتصدي لتضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، ومواجهة استغلال المعلومات لتحقيق امتيازات غير مشروعة.
وتظل فعالية هذه الإجراءات مرتبطة بوضوح القواعد القانونية، واستقلالية المراقبة، ونشر المعطيات المتعلقة بالصفقات والمستفيدين منها، وضمان تطبيق القانون على الجميع. فالمعيار الحقيقي ليس عدد التعهدات، بل قدرتها على حماية المال العام وتوسيع المنافسة وإتاحة فرص عادلة للمقاولات.
القدرة الشرائية والدعم الاجتماعي
في الجانب الاجتماعي، يتضمن البرنامج الانتخابي تخصيص 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، مع توجه نحو الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى ألف درهم عند نهاية الولاية، وفق شروط الاستفادة المعتمدة.
كما تشمل الالتزامات المقترحة الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى ثلاثة آلاف درهم شهريا، وتحسين وضعية الأرامل، إلى جانب تعويض الأسر المستحقة عن فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز مائة درهم شهريا، وفق شروط تتعلق بالاستحقاق والمسكن الرئيسي.
وتتصل هذه التدابير كذلك بإصلاح مسالك تسويق المواد الغذائية، وتحسين تموين السوق الوطنية، والحد من الاختلالات التي تؤثر في الأسعار. وسيظل نجاحها رهينا بمدى انعكاسها على نفقات الأسر، لا بمجرد الإعلان عنها، وبقدرة الحكومة على تحديد المستفيدين والآجال ومصادر التمويل.
الصحة والتعليم والسكن في قلب الدولة الاجتماعية
تواجه الحكومة انتظارات كبيرة في مجال الصحة، خصوصا ما يتعلق بالانتقال من تعميم التغطية الصحية إلى ضمان الولوج الفعلي إلى العلاج، ومعالجة الخصاص في الأطر والتجهيزات، وتحسين استقبال المرضى وتدبير المستعجلات وتقليص الفوارق بين الجهات.
وفي التعليم، تبرز تحديات تحسين جودة التعلمات، والحد من الهدر المدرسي، وتطوير التكوين وربطه بالتشغيل، بينما يظل السكن اللائق وتقليص الفوارق المجالية من الملفات التي تتطلب سياسات متكاملة تجمع بين الاستثمار والبنيات الأساسية والخدمات العمومية.
ولا تنفصل هذه الأولويات عن التشغيل، لأن الدعم الاجتماعي لا يمكن أن يعوض غياب فرص العمل المستقرة، كما أن تعميم التغطية الصحية لا يحقق غايته إذا ظل المواطن عاجزا عن الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب.
الماء والطاقة والغذاء.. رهانات السيادة
يشمل البرنامج كذلك توجهات مرتبطة بتعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي، من خلال تطوير تحلية مياه البحر، ومواصلة مشاريع البنيات المائية، وتعزيز الطاقات المتجددة، وحماية سلاسل الإنتاج والتموين. كما يبرز تطوير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ضمن رهانات تحديث الاقتصاد وتقوية القدرات الوطنية.
وتتطلب هذه الملفات استثمارات طويلة الأمد وتنسيقا بين القطاعات، مع تحديد الأولويات والآجال ومؤشرات قياس النتائج، خصوصا في ظل التحديات المناخية وضغط الطلب على الموارد الطبيعية.
من إعلان البرنامج إلى امتحان التنفيذ
يشكل عرض البرنامج الحكومي بداية مسار المساءلة البرلمانية، إذ يخضع البرنامج للمناقشة قبل التصويت عليه في مجلس النواب وفق المقتضيات الدستورية. لكن الامتحان السياسي الحقيقي يبدأ بعد ذلك، عندما تتحول الالتزامات إلى قرارات وميزانيات ومشاريع قابلة للتقييم.
وبين كلفة إضافية معلنة تناهز 350 مليار درهم، وهدف إحداث مليون منصب شغل، وتعهدات اجتماعية وإصلاحات في الصفقات العمومية ومحاربة الفساد، تواجه حكومة المنصوري تحديا يتمثل في التوفيق بين الطموح والإمكانات، وبين سرعة الاستجابة للانتظارات وضمان استدامة الإصلاحات.
وسيظل نجاح البرنامج مرتبطا بوضوح الأولويات، واحترام الآجال، وشفافية التمويل، ونشر حصيلة دورية للإنجازات. فالمواطن لن يحكم على الحكومة بحجم الأرقام وحده، بل بما سيشهده من تحسن في معيشته وخدماته وفرصه، وبمدى تكافؤ الفرص في الاقتصاد، وفعالية المؤسسات في حماية المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة.






