قضايا

استغلال “العمل الجمعوي” في فاس.. حملات طبية أم حملات انتخابية؟

في الوقت الذي يتأهب فيه المغرب لموعد استحقاقات تشريعية قادمة، تشهد مدينة فاس حركية “جمعوية” مكثفة و غريبة تُثير العديد من علامات الاستفهام، خاصة فيما يتعلق بـ “الأيام والحملات الطبية” متعددة الاختصاصات. فما يُرصد في الميدان يتجاوز حدود العمل الخيري والتطوعي النبيل ليلامس، بوضوح، أهدافاً سياسية محضة، تستغل فيها جمعيات محسوبة على سياسيين ومنتخبين – تحديداً نائبات وعضوات بمجلس الجهة – المناسبات الوطنية والأعياد، وحتى الحاجة الماسة للرعاية الصحية، لاستمالة الكتلة الناخبة.

 القيادات المنتخبة تدير العملية: تسييس فاضح للصحة

المشهد الأكثر وضوحاً في هذه الحملات هو القيادة المباشرة من قبل مسؤولات منتخبات بارزات. ففي إحدى الحملات الطبية التي اتخذت طابعاً احتفالياً وطنياً، شوهدت نائبة رئيس مجلس الجهة وهي تُشرف وتدير تفاصيل العملية ميدانياً. هذا الحضور والتدبير المباشر لشخصية سياسية بهذا الثقل في فعاليات ظاهرها اجتماعي/صحي، يكشف بما لا يدع مجالاً للشك أن العملية كلها تندرج في إطار حملات انتخابية سابقة لأوانها.

كما رُصدت منتخبة أخرى، وهي البرلمانية ونائبة مجلس الجهة، تقود حملات واحتفالات مماثلة، سواء في الأيام الطبية أو حفلات الختان. هذه الممارسات المتكررة من قبل المسؤولات، وإن كانت تتم بغطاء “العمل الجمعوي”، فإنها تهدف في عمقها إلى خدمة الأجندات السياسية والبحث عن موطئ قدم أو تعزيز الحظوظ لدى الكتلة الناخبة في فاس. هذا التوظيف السافر لحاجة المواطنين، خاصة في قطاعي الصحة والمناسبات الاجتماعية، لا يليق بالعمل السياسي النزيه ويُسيء بشكل بالغ إلى طبيعة العمل الجمعوي التطوعي.

استغلال الأطفال في احتفالات بخلفية سياسية: جريمة قانونية وأخلاقية

الأمر لا يتوقف عند استغلال المرضى وحاجتهم، بل يتعداه إلى استغلال الأطفال كـ “ديكور” في هذه الاحتفالات ذات الخلفية السياسية، خاصة في أنشطة مثل حفلات الختان الجماعي. إن القانون المغربي، وتحديداً فيما يتعلق بحماية الطفولة، يجرّم استغلال الأطفال لأغراض غير تربوية أو اجتماعية نبيلة، ويمنع تصويرهم ونشر صورهم دون موافقة صريحة وموثقة تضمن مصلحتهم الفضلى.

إن استعراض الأطفال في تجمعات تهدف في جوهرها إلى الترويج السياسي للمنظمين والمنتخبين، هو انتهاك مزدوج يطال براءة الطفل من جهة، ومبدأ النزاهة في العمل الجمعوي من جهة أخرى. هذه الممارسات تستدعي تدخلاً عاجلاً من النيابة العامة والمؤسسات المعنية بحماية الطفولة للتحقيق في مدى احترام الشروط القانونية والأخلاقية عند تنظيم مثل هذه الفعاليات.

 شبهة “صيدلية الظل” وتناقض الوفرة والخصاص

المفارقة المرة التي تكشف زيف الشعارات تكمن في مصدر الأدوية وتناقضها مع الواقع الصحي العام. فقد أظهرت مشاهد الحملات وجود كم هائل من الأدوية المعروضة على رفوف وطاولات، في مشهد أقرب إلى صيدلية متنقلة ومجهزة.

هذا السيل من الأدوية يثير تساؤلات جدية، خاصة وأن المستوصفات والمستشفيات العمومية في فاس تعاني بشكل مزمن من الخصاص الحاد في الأدوية، حيث يُجبر المريض بشكل مستمر على شرائها على نفقته الخاصة. من أين يتم جلب هذه الكميات الضخمة من الأدوية؟ وهل تُوجّه تبرعات الأدوية والتمويلات نحو هذه الجمعيات ذات الأجندة السياسية بدلاً من المراكز الصحية الرسمية التي هي في أمس الحاجة إليها؟ إن هذا التناقض يُرسخ الشك في وجود “اقتصاد ريعي صحي مُسيَّس” يُستغل فيه الدواء كأداة للمتاجرة السياسية وشراء الأصوات.

مطالبة بالتحقيق: وزير الصحة مدعو لوقف تسخير الموارد العمومية

في ظل هذا المشهد المُقلق، يتأكد أن هذه الأنشطة ما كانت لتتم بهذه السهولة والوفرة لو لم يتم تسخير إمكانيات الدولة لخدمة أجندات حزبية. هنا تبرز ضرورة التدخل العاجل والفوري للسلطة المركزية.

يُطالب الرأي العام بضرورة تدخل وزير الصحة والحماية الاجتماعية لوضع حد لهذه الفوضى، وذلك بـ إصدار تعليمات صارمة وواضحة تمنع المندوبيات الإقليمية والجهوية للصحة من تسخير المعدات، والأطباء، والممرضين، والأدوية، في حملات طبية تروج لها جمعيات بخلفية سياسية أو هيئات منتخبة. إن موارد وزارة الصحة هي ملك عام ويجب أن توجه لخدمة المواطنين عبر قنواتها الرسمية والمنصفة، وليس كأداة دعائية سابقة لأوانها لأي طرف سياسي. الصمت على تسخير الموارد العمومية و المشاركة  في مثل هذه العمليات يُعد تواطؤاً غير مباشر في تسييس الصحة وشراء الأصوات.

 نداء للكف عن الممارسات المسيئة للعملين السياسي والجمعوي

إن هذه الفوضى في العمل الجمعوي المسيس، والتي تتصدرها مسؤولات منتخبات، تُحوّل العمل الخيري من نبل الهدف إلى بوابة للوصول السياسي وركيزة أساسية لـ استمالة الأصوات قبيل كل موعد انتخابي. إن استغلال المديرية الإقليمية للصحة والمناسبات الوطنية لتنظيم حملات هدفها سياسي محض، هو تجاوز خطير للقوانين المنظمة للعمل السياسي والجمعوي.

يتوجب على هذه المسؤولات الكف الفوري عن مثل هذه الممارسات التي تضر بالصورة العامة للعمل السياسي وتفرغ العمل الجمعوي من محتواه النبيل، ليتحول إلى مجرد سوق انتخابي موسمي. المطلوب اليوم هو الشفافية والمساءلة وفتح تحقيق في تسخير الموارد العمومية والمواد الصيدلية لخدمة أجندات حزبية وشخصية، حفاظاً على نزاهة العملية السياسية وكرامة المواطن وحقه في الرعاية الصحية بعيداً عن التوظيف الانتخابي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى