احتقان جديد في قطاع التعليم… إضراب وطني يكشف أعطاب التدبير ويضع وزير التربية سعد برادة في مرمى الانتقادات

يتجه قطاع التعليم بالمغرب نحو موجة احتجاجية جديدة، بعد إعلان السكرتارية الوطنية لأطر التوجيه والتخطيط التربوي التابعة لـ النقابة الوطنية للتعليم CDT خوض إضراب وطني يومي 31 مارس وفاتح أبريل 2026، مرفوقًا بوقفة احتجاجية ممركزة أمام مقر وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في الرباط، احتجاجًا على ما وصفته بتأخر التسوية الإدارية والمالية لعدد من الأطر العاملة في مجال التوجيه والتخطيط التربوي.
هذا التصعيد النقابي يعيد إلى الواجهة حجم الاحتقان الذي يعيشه القطاع منذ سنوات، ويطرح تساؤلات متزايدة حول حصيلة التدبير الحكومي لملف التعليم، خاصة في ظل الانتقادات المتصاعدة الموجهة لوزير التربية الوطنية سعد برادة، الذي يواجه اتهامات متزايدة بالعجز عن معالجة الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المنظومة التعليمية.
مطالب عالقة واحتجاجات متواصلة
وأكدت سكرتارية أطر التوجيه والتخطيط التربوي أن قرار الإضراب جاء نتيجة استمرار التأخر في تسوية الوضعية الإدارية والمالية للمستشارين الذين خضعوا للتكوين الخاص في إطار مفتش حسب التخصص منذ فاتح يناير 2024، مطالبة بتسوية شاملة تراعي الوضعية الأفضل لهذه الفئة.
كما دعت النقابة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين إلى الإسراع بصرف التعويضات اليومية الخاصة بالتكوين، واحترام المهام القانونية لأطر التوجيه والتخطيط التربوي المنصوص عليها في النظام الأساسي، إلى جانب توفير وسائل العمل الضرورية والتعويضات المرتبطة بالتنقل.
وفي سياق متصل، انتقدت النقابة ما وصفته بممارسات غير مسؤولة داخل بعض المصالح الإدارية بالوزارة، خاصة ما يتعلق بالتأخر في عقد المجالس التأديبية والتماطل في تبليغ القرارات للمعنيين، في ما اعتبرته خرقًا واضحًا لمقتضيات قانون الوظيفة العمومية.
إصلاحات معلنة… وواقع مأزوم
غير أن هذا الاحتقان النقابي لا يُفهم بمعزل عن الأزمة الأعمق التي يعيشها قطاع التعليم في المغرب. فبالرغم من الخطابات الرسمية التي تتحدث عن إصلاحات كبرى للمنظومة التعليمية، ما تزال المدارس تعاني من مشاكل مزمنة تتراوح بين الاكتظاظ داخل الأقسام، ونقص الموارد البشرية، وضعف البنيات التحتية في عدد من المؤسسات التعليمية.
ويرى متتبعون أن الإصلاحات التي أطلقتها الوزارة خلال السنوات الأخيرة لم تنجح في معالجة جذور الأزمة، بل إن بعض الإجراءات التنظيمية الجديدة ساهمت في زيادة التوتر داخل القطاع، خصوصًا في ظل غياب حوار فعلي مع مختلف الفاعلين التربويين.
وزير في قلب العاصفة
وتتجه أصابع الانتقاد بشكل متزايد نحو الوزير سعد برادة، الذي يرى فيه العديد من الفاعلين في القطاع جزءًا من الإشكال بدل أن يكون جزءًا من الحل.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام التربوي إطلاق إصلاحات حقيقية تعيد الثقة إلى المدرسة العمومية، تفجرت موجات احتجاجية متتالية داخل القطاع، كان أبرزها الحراك الذي قاده شباب ما بات يعرف بجيل “Gen Z” من الأساتذة المتعاقدين والفاعلين التربويين، الذين خرجوا إلى الشارع للمطالبة بتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية.
غير أن تلك الاحتجاجات، رغم زخمها الكبير، لم تفضِ إلى حلول جذرية، بل يرى كثير من المتابعين أن الأزمة تعمقت أكثر، مع استمرار المشاكل المرتبطة بالنظام الأساسي الجديد والاختلالات الإدارية التي ما تزال تطفو على السطح.
مؤسسات الريادة… جدل جديد
ومن بين الملفات التي أثارت جدلاً واسعًا داخل القطاع أيضًا مشروع ما يسمى بـ“مؤسسات الريادة”، الذي تقول الوزارة إنه يهدف إلى تحسين جودة التعليم داخل المدارس العمومية.
غير أن عدداً من النقابات التعليمية اعتبر هذا المشروع غير واضح المعالم، مؤكدة أن تنزيله تم دون توفير الشروط المادية والبشرية اللازمة، ودون إشراك فعلي للأطر التربوية في بلورة تفاصيله.
وفي هذا الإطار، دعت النقابة الوطنية للتعليم إلى اعتبار هذه المؤسسات مؤسسات تعليمية عادية إلى حين إقرار تعويضات مناسبة للأطر العاملة بها، أسوة بباقي الفئات التي تشتغل في مسارات مماثلة.
التعليم بين الإصلاح المؤجل والأزمة المتفاقمة
كل هذه التطورات تعكس حجم التحديات التي تواجه قطاع التعليم بالمغرب، في وقت يتزايد فيه القلق بشأن مستقبل المدرسة العمومية وقدرتها على أداء دورها في تكوين الأجيال القادمة.
فبين وعود الإصلاح المتكررة والاحتجاجات المتصاعدة داخل القطاع، يبدو أن منظومة التعليم ما تزال تبحث عن الطريق الصحيح للخروج من أزمتها، وهو ما يضع الحكومة ووزارة التربية الوطنية أمام اختبار حقيقي لإعادة بناء الثقة مع الأسرة التعليمية.
وفي ظل هذا الوضع، يبقى السؤال الذي يطرحه الكثير من المتابعين بإلحاح: هل تملك الوزارة فعلاً رؤية واضحة لإنقاذ التعليم العمومي، أم أن القطاع سيظل رهين دوامة الإصلاحات المؤجلة والاحتجاجات المتكررة؟






