سياسة

بعد تشديد الجزائر على المغاربة.. هل يتجه المغرب إلى إعادة ضبط قواعد دخول الجزائريين؟

تدخل العلاقات المغربية الجزائرية مرحلة جديدة من التشدد، بعدما أعادت الجزائر منذ شتنبر 2024 فرض التأشيرة على المواطنين المغاربة، في خطوة أنهت عملياً نظاماً استمر لسنوات طويلة، ورافقتها اتهامات جزائرية للمغرب مرتبطة بقضايا أمنية، من بينها التجسس والجريمة المنظمة والتهريب والهجرة غير النظامية. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح مبدأ المعاملة بالمثل حاضراً بقوة في النقاش حول مستقبل حركة الأشخاص بين البلدين.

وخلال الأيام الأخيرة، عاد ملف دخول الجزائريين إلى التراب المغربي إلى الواجهة، بعدما نشرت وسائل إعلام جزائرية تقارير تتحدث عن تعليمات جديدة تقضي بتشديد شروط سفر الجزائريين إلى المملكة، وربط السماح بالسفر بامتلاك بطاقة إقامة مغربية سارية بالنسبة إلى بعض الحالات. وتحدثت تلك التقارير عن تعليمات موجهة إلى شركات الطيران في الجزائر، إلا أن هذه المعطيات لم تترافق، إلى حدود الآن، مع بلاغ رسمي مغربي منشور يعلن بشكل صريح فرض تأشيرة عامة على جميع حاملي جواز السفر الجزائري.

وبعيداً عن الروايات المتبادلة، فإن السياق الأمني والسياسي للعلاقات بين الرباط والجزائر يجعل مسألة مراقبة حركة الأشخاص ملفاً بالغ الحساسية. فالحدود البرية والبحرية بين البلدين مغلقة منذ سنوات، فيما تستمر السلطات في مراقبة المنطقة الحدودية ومنع العبور غير المرخص.

وتكشف التطورات الأخيرة أن مسألة التنقل لم تعد منفصلة عن الأزمة السياسية العميقة بين البلدين، التي تشمل قطع العلاقات الدبلوماسية منذ 2021، والخلاف حول قضية الصحراء، والتنافس الإقليمي، فضلاً عن ملفات أمنية وسياسية متراكمة. ويرى تحليل صادر عن مجموعة الأزمات الدولية أن العلاقة بين البلدين أصبحت محكومة بدرجة عالية من انعدام الثقة، وأن استمرار الإجراءات المتبادلة يزيد من مخاطر سوء التقدير والتصعيد.

في هذا السياق، يبدو أن السؤال المطروح داخل المغرب لم يعد فقط متعلقاً بما إذا كان ينبغي فرض التأشيرة من عدمها، وإنما بكيفية بناء سياسة واضحة تجاه دخول وإقامة الأجانب، بما يضمن حماية الأمن الوطني ويطبق القانون بصورة متساوية على الجميع.

وتشمل هذه المقاربة، من الناحية القانونية والأمنية، تعزيز تدقيق وثائق السفر، والتحقق من شروط الإقامة، ومراقبة احترام القوانين من طرف جميع الأجانب المقيمين فوق التراب المغربي، والتعامل مع أي مخالفة وفق المساطر القانونية المعمول بها، بعيداً عن الجنسية باعتبارها معياراً للمسؤولية.

كما يبرز ملف آخر أكثر تعقيداً، يتعلق بالأشخاص الذين يحملون الجنسية الجزائرية إلى جانب جنسية أوروبية. وهنا فإن أي إجراءات تتعلق بدخولهم إلى المغرب ينبغي أن تستند إلى وثائق السفر التي يستخدمونها، والقواعد القانونية التي تنظم دخول الأجانب، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وليس إلى أصلهم أو جنسيتهم السابقة وحدها.

وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة لأن تشديد إجراءات المراقبة، إذا تقرر، ينبغي أن يكون موجهاً إلى المخاطر الأمنية والهجرة غير النظامية والوثائق المزورة والجريمة العابرة للحدود، وليس إلى المواطنين الجزائريين بصورة جماعية. فالمبدأ الأمني الأكثر فعالية هو التدقيق المبني على المخاطر والسلوك والوثائق، مع احترام الحقوق القانونية للأشخاص المعنيين.

وفي المقابل، فإن استمرار الجزائر في فرض التأشيرة على المغاربة منذ 2024 يضع الرباط أمام خيار سياسي واضح: إما الإبقاء على نظام الدخول الحالي، أو اعتماد إجراءات مماثلة في إطار المعاملة بالمثل، أو الانتقال إلى نظام أكثر تشدداً يربط الدخول بشروط مسبقة، إذا رأت السلطات أن الاعتبارات الأمنية والدبلوماسية تستوجب ذلك. وتبقى هذه الخيارات قراراً سيادياً للمملكة في إطار القانون الدولي والتشريع الوطني.

واللافت أن المغرب ليس الدولة الوحيدة التي تعيد النظر في سياستها تجاه الجزائر تحت ضغط اعتبارات أمنية وسياسية. ففي فرنسا، أعلنت الحكومة خلال شتنبر الجاري بدء مراجعة اتفاق 1968 المنظم لحركة وإقامة المواطنين الجزائريين، في ظل توتر سياسي وملفات مرتبطة بالهجرة وإعادة القبول. ويظهر ذلك أن ملف حركة الأشخاص أصبح جزءاً من أدوات إدارة العلاقات مع الجزائر لدى أكثر من دولة.

لكن المغرب يواجه معادلة أكثر حساسية، بحكم الجوار المباشر والحدود المغلقة والتوتر المتراكم. ولذلك فإن أي قرار جديد بشأن التأشيرات أو الإقامة أو المراقبة الحدودية سيكون له بعد أمني وسياسي يتجاوز مسألة السفر العادي.

وفي جميع الأحوال، فإن حماية الحدود ومراقبة التراب الوطني ليستا موضع جدل من حيث المبدأ، كما أن تطبيق القانون على الأجانب المقيمين بالمغرب يظل من الاختصاصات السيادية للدولة. غير أن نجاح أي سياسة جديدة يتوقف على وضوح قواعدها، وتطبيقها بصورة موحدة، وربطها بمعايير أمنية وقانونية محددة، مع تفادي الإجراءات الجماعية التي قد تمس أشخاصاً لا علاقة لهم بأي نشاط مخالف للقانون.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة المغاربية تنافساً جيوسياسياً متزايداً، بينما تواصل الرباط والجزائر تبادل الإجراءات والرسائل السياسية منذ سنوات. وتُظهر التحليلات الدولية أن الخلاف لم يعد محصوراً في قضية الصحراء، بل أصبح جزءاً من منافسة أوسع على النفوذ والشراكات والأمن في شمال إفريقيا والساحل.

وبذلك، فإن ما يجري حالياً لا يتعلق فقط بتأشيرة أو بإجراء إداري على الحدود، وإنما يعكس مرحلة جديدة في العلاقات المغربية الجزائرية، عنوانها تشديد الضوابط، وارتفاع منسوب الحذر الأمني، وتراجع هامش الثقة بين البلدين.

والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت الرباط ستكتفي بالإجراءات التي تحدثت عنها التقارير الأخيرة، أم ستعلن رسمياً عن نظام جديد لدخول المواطنين الجزائريين، وما إذا كانت الجزائر ستتعامل مع أي خطوة مغربية جديدة باعتبارها إجراءً بالمثل أم سترد بإجراءات إضافية.

في انتظار الموقف الرسمي المغربي، تبقى القاعدة الأوضح أن حماية الأمن الوطني وتشديد مراقبة الحدود يمكن أن يسيرا بالتوازي مع احترام القانون وحقوق الأفراد، وأن أي إجراء جديد ينبغي أن يعلن رسمياً وبشكل واضح حتى لا تتحول التقارير المتداولة إلى مصدر للتوتر وسوء الفهم بين شعبين تجمعهما روابط تاريخية عميقة رغم الخلاف السياسي بين الدولتين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى