سبتة تحت الصدمة.. إطلاق النار والهراوات في وجه مهاجرين عزل يفتحان ملف الانتهاكات وحقوق الإنسان

شهدت مدينة سبتة، مساء أمس الجمعة، فصلاً جديداً ومثيراً للجدل في أزمة الهجرة، بعدما تحولت عملية نقل آلاف المهاجرين من الشواطئ إلى مخيم مؤقت أقامته السلطات الإسبانية داخل الميناء إلى مشاهد من التوتر والتدافع والتدخل الأمني، تخللتها عيارات نارية في الهواء واستعمال الهراوات ضد عدد من المهاجرين، وسط تساؤلات متصاعدة حول مدى احترام المعايير الحقوقية أثناء التعامل مع أشخاص يعيشون أصلاً في أوضاع إنسانية بالغة الهشاشة.
وبدأت العملية في الساعات الأولى من صباح الجمعة، عندما شرعت الشرطة والحرس المدني الإسباني في تجميع المهاجرين الموجودين في شاطئي بن عياد والترامبولين، تمهيداً لنقلهم إلى المخيم المؤقت في منطقة الميناء. غير أن محدودية الطاقة الاستيعابية للمخيم، الذي لا يتجاوز نحو 1700 مكان، مقابل وجود آلاف الأشخاص في الشواطئ، سرعان ما فجرت حالة من التوتر والتدافع، بعدما حاول عدد كبير من المهاجرين الوصول إلى الموقع أملاً في الحصول على مكان يحميهم من النوم في العراء.
ومع اشتداد التدافع، تدخلت وحدات الأمن الإسبانية لفرض طوق حول المهاجرين وتنظيم عملية العبور، قبل أن تتطور المواجهات إلى استعمال القوة، فيما وثقت وسائل إعلام إسبانية ودولية إطلاق الشرطة عيارات مطاطية في الهواء واستعمال الهراوات، مع تسجيل إصابات خلال العملية. وأظهرت مشاهد متداولة حالة من الفوضى والركض الجماعي، بينما كان المهاجرون يحاولون الوصول إلى المخيم قبل امتلائه بالكامل.
المشهد الأكثر إثارة للقلق لا يرتبط فقط باستخدام القوة خلال عملية أمس، وإنما يأتي في سياق أوسع من الانتقادات الموجهة إلى طريقة تعامل السلطات الإسبانية مع المهاجرين الموجودين في سبتة.
ففي الأيام السابقة للعملية، نشرت وسائل إعلام إسبانية تحقيقات استندت إلى شهادات مباشرة لمهاجرين، تحدث أصحابها عن تعرضهم للضرب والإهانات والاعتداء من طرف أفراد من القوات العسكرية التي تقوم بدوريات في المدينة. كما تحدثت منظمات عاملة على الأرض عن عشرات الحالات التي قالت إنها رصدتها، الأمر الذي دفع الحكومة الإسبانية إلى الإعلان عن فتح تحقيق داخلي للتحقق من هذه الادعاءات وتحديد المسؤوليات في حال ثبوتها.
وهنا تبرز ضرورة الفصل بين ما تم توثيقه خلال عملية النقل أمس، وبين الادعاءات المتعلقة باعتداءات أخرى يجري التحقيق بشأنها. فإطلاق العيارات المطاطية في الهواء واستعمال الهراوات خلال عملية النقل أمر أكدته عدة وسائل إعلام، بينما تبقى الاتهامات المتعلقة بالضرب المنهجي أو التعذيب موضوع تحقيقات وشهادات تحتاج إلى التحقق القضائي والحقوقي المستقل.
غير أن اجتماع هذه المعطيات يطرح سؤالاً أكبر: هل تحولت الأزمة الإنسانية في سبتة إلى مبرر للتعامل الأمني مع المهاجرين باعتبارهم مشكلة يجب إزاحتها، بدلاً من التعامل معهم باعتبارهم أشخاصاً يتمتعون بحقوق أساسية لا تسقط بسبب وضعهم كمهاجرين؟
وتزداد خطورة السؤال عندما يتعلق الأمر بأشخاص يعيشون منذ أسابيع في الشوارع والشواطئ، في ظروف قاسية، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام مخيم لا يتسع إلا لجزء محدود منهم. فقد امتلأت المنشأة الجديدة بنحو 1700 شخص، فيما اضطر مئات أو آلاف آخرون إلى العودة إلى الشواطئ بعدما لم يجدوا مكاناً داخلها. وتشير تقديرات صحفية ومنظماتية إلى أن آلاف المهاجرين ظلوا في العراء بعد انتهاء العملية.
ومن منظور حقوق الإنسان، فإن تنظيم عمليات النقل أو إخلاء أماكن الإقامة العشوائية لا يعفي السلطات من واجب احترام الكرامة الإنسانية، كما أن استخدام القوة لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة عادية لإدارة أزمة إنسانية، بل يجب أن يخضع لمبادئ الضرورة والتناسب والمساءلة، مع ضمان حماية الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها القاصرون وطالبو اللجوء.
وقد سبق لمنظمة العفو الدولية أن طالبت السلطات الإسبانية بتوضيحات بشأن طريقة تعاملها مع الوافدين إلى سبتة، وأبدت مخاوف من الاستخدام المفرط للقوة ومن عمليات إعادة قد لا تتوافر فيها الضمانات القانونية الكافية، إضافة إلى وضع القاصرين غير المصحوبين.
وتفرض التطورات الأخيرة، بما فيها مشاهد استخدام القوة خلال عملية الجمعة، فتح تحقيق حقوقي مستقل وشفاف لا يكتفي بالرواية الرسمية، وإنما يستمع أيضاً إلى المهاجرين المصابين والشهود والعاملين في المنظمات الإنسانية، ويفحص التسجيلات المصورة، ويحدد بدقة ظروف استخدام القوة والوسائل التي لجأت إليها القوات الإسبانية.
كما أن المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية مدعوة إلى عدم الاكتفاء بمتابعة الأزمة من بعيد، بل إلى الدفع نحو آليات مستقلة للتحقق من جميع الادعاءات المتعلقة بالعنف وسوء المعاملة، وضمان عدم إفلات أي مسؤول عن تجاوزات مثبتة من المساءلة.
فأزمة سبتة ليست مجرد ملف أمني إسباني، ولا يمكن اختزالها في أرقام المهاجرين أو في القدرة الاستيعابية للمخيمات. إنها أيضاً قضية حقوق وكرامة إنسانية، خصوصاً عندما تظهر مشاهد إطلاق النار في الهواء والضرب والتدافع، وتتزامن مع شهادات سابقة عن اعتداءات يجري التحقيق فيها.
وإذا كانت السلطات الإسبانية تؤكد أن عملياتها تهدف إلى إعادة تنظيم الوضع وتأمين المدينة وتوفير أماكن للإيواء، فإن أفضل وسيلة لإثبات احترامها للقانون وحقوق الإنسان تظل في الشفافية الكاملة، وفتح التحقيقات المستقلة، وتمكين الهيئات الحقوقية والإعلامية من الوصول إلى أماكن الاحتجاز والإيواء، والكشف عن حقيقة ما جرى بعيداً عن الروايات المتضاربة.
ما وقع في سبتة أمس لا ينبغي أن يمر كواقعة أمنية عابرة. فحين يكون الطرف المقابل مهاجرين يعيشون في العراء ويبحثون عن مكان آمن للنوم، تصبح مسؤولية الدولة أكبر، ويصبح احترام الكرامة الإنسانية واجباً لا يسقط تحت ضغط الأزمة.






