سياسة

أوروبا ترفع التأهب.. روسيا تضرب أوكرانيا وبولندا تستنفر والناتو يستعد لأسوأ السيناريوهات

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية خلال الساعات الـ48 الماضية مرحلة جديدة من التوتر، بعدما كثفت روسيا ضرباتها الجوية على الأراضي الأوكرانية، بالتزامن مع رفع بولندا درجة التأهب العسكري على حدودها الشرقية، فيما بدأت العواصم الأوروبية تتعامل مع احتمال اتساع تداعيات الحرب باعتباره سيناريو يتطلب استعداداً متزايداً، خصوصاً في مواجهة الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية والتهديدات التي قد تطال البنية التحتية الحيوية.

وخلال الساعات الأولى من السبت 19 شتنبر، أعلنت بولندا إنهاء عملية جوية احترازية أطلقتها رداً على الضربات الروسية المكثفة داخل أوكرانيا، بعدما رفعت القوات المسلحة البولندية جاهزية أنظمة الدفاع الجوي والرادارات والطائرات العسكرية. وأكد الجيش البولندي، في المقابل، أن المجال الجوي للبلاد لم يتعرض لأي اختراق خلال هذه العملية الأخيرة.

وتأتي هذه التطورات بعد أيام قليلة فقط من ضربات روسية واسعة استهدفت مناطق أوكرانية قريبة من الحدود البولندية، ما دفع وارسو إلى تحريك طائراتها العسكرية وإغلاق مطارين مؤقتاً، في وقت تحدثت فيه السلطات البولندية عن سقوط طائرة مسيرة أو إسقاطها على مسافة بضعة كيلومترات من الحدود. كما أعلنت بولندا تشديد إجراءات حماية مجالها الجوي ورفع جاهزية منظومات الدفاع والاستجابة السريعة.

وتزداد حساسية الوضع بسبب الموقع الجغرافي لبولندا، التي تشكل إحدى أهم بوابات الدعم العسكري واللوجستي الغربي لأوكرانيا، الأمر الذي يجعل المناطق القريبة من الحدود البولندية عرضة لتداعيات مباشرة للحرب الدائرة على الجانب الآخر.

وفي هذا السياق، حذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من احتمال لجوء روسيا إلى هجمات هجينة باستخدام الطائرات المسيرة أو الصواريخ ضد دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي الداعمة لأوكرانيا، مشيراً إلى معلومات استخباراتية تتحدث عن تركيز روسي متزايد على البنية اللوجستية والمعابر الحدودية التي تمر عبرها المساعدات إلى أوكرانيا.

غير أن هذه التحذيرات لا تعني أن روسيا بدأت بالفعل عملية عسكرية ضد بولندا، ولا توجد حتى الآن معطيات موثوقة تثبت وجود قرار روسي معلن لشن حرب مباشرة على الأراضي البولندية. بل إن آخر عملية تأهب بولندية انتهت بعدما أكدت وارسو عدم تسجيل اختراق لمجالها الجوي.

لكن الخطر الذي تخشاه العواصم الأوروبية يتمثل أساساً في احتمال وقوع حادث عسكري داخل أراضي دولة عضو في الناتو، أو استهداف منشأة قريبة من الحدود، بما قد يؤدي إلى تصعيد يصعب احتواؤه.

ماكرون: التهديد الروسي الهجين يتصاعد

وفي باريس، عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الجمعة اجتماعاً موسعاً مع قادة الأحزاب السياسية والمسؤولين الأمنيين والعسكريين لبحث تداعيات الأوضاع الدولية على الأمن الفرنسي.

وأعلنت الرئاسة الفرنسية أن أجهزة الاستخبارات والأمن والدفاع قدمت عرضاً حول الحرب في أوكرانيا، في ظل ما وصفته باريس بتصاعد التهديدات الهجينة الروسية، خصوصاً في مجالات الهجمات السيبرانية، والطائرات المسيرة، والتخريب والتدخلات الأجنبية.

وطلب ماكرون إعداد خطة لحماية المنشآت والبنى التحتية الحيوية والمواقع الحساسة، في وقت قالت فيه الرئاسة الفرنسية إن باريس تعزز مستوى اليقظة لحماية منشآتها من مخاطر الهجمات السيبرانية والطائرات المسيرة.

واللافت في الموقف الفرنسي أن الحديث لم يعد يقتصر على الحرب داخل أوكرانيا، بل انتقل إلى كيفية حماية المجتمعات الأوروبية من تداعيات الحرب، بما في ذلك الطاقة وسلاسل الإمداد والبنى التحتية والاتصالات.

بريطانيا تستعد لأزمات قد تطال الغذاء والماء والطاقة

وفي بريطانيا، تتزامن المخاوف الأمنية مع حملة أوسع لتعزيز قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات الكبرى.

وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت عن إطلاق حملة وطنية للتوعية بالاستعداد للطوارئ، تشمل الأزمات التي يمكن أن تؤدي إلى انقطاع الكهرباء أو المياه أو الاتصالات أو تعطل الوصول إلى المتاجر والمواد الغذائية.

وأظهرت أحدث البيانات الحكومية المنشورة في أغسطس أن 60 في المائة من البريطانيين الذين شملهم المسح قالوا إن لديهم مواد غذائية غير قابلة للتلف تكفي أسرهم لنحو ثلاثة أيام، بينما أفاد 37 في المائة فقط بامتلاكهم كمية من المياه المعبأة تكفي الفترة نفسها.

وبالتالي فإن الدعوات البريطانية إلى الاحتفاظ بالمؤن والمياه لا تعني أن الحكومة أعلنت قرب اندلاع حرب على الأراضي البريطانية، وإنما تدخل ضمن سياسة أوسع للاستعداد للأزمات، بما فيها الهجمات السيبرانية والكوارث الطبيعية وانقطاع الخدمات الأساسية.

فرنسا أيضاً تعتمد مخزون الطوارئ

أما فرنسا، فقد رسخت منذ فترة مفهوم حقيبة الطوارئ المنزلية لمدة 72 ساعة، وتوصي السلطات الفرنسية باحتفاظ الأسر بالماء الصالح للشرب والمواد الغذائية غير القابلة للتلف والأدوية والإضاءة ووسائل الاتصال والوثائق الأساسية.

وتحدد السلطات الفرنسية، ضمن الإرشادات الرسمية، كمية ستة لترات من المياه للشخص الواحد ضمن تجهيزات الطوارئ المنزلية.

وهذه الإجراءات لا ترتبط حصراً بالحرب الروسية الأوكرانية، لكنها تكتسب أهمية إضافية في ظل تصاعد المخاوف الأوروبية من الهجمات السيبرانية والتخريب وتعطل شبكات الطاقة والاتصالات والنقل.

الناتو يرفع مفهوم الاستعداد المدني

وفي تطور لافت، حدّث حلف شمال الأطلسي في 18 شتنبر وثيقته المتعلقة بالمرونة والاستعداد المدني، مؤكداً أن دول الحلف مطالبة بالقدرة على الصمود أمام الصدمات الكبرى، سواء كانت كوارث طبيعية أو أعطالاً في البنية التحتية أو هجمات هجينة أو عسكرية.

ويضع الناتو ضمن متطلبات المرونة ضمان استمرار إمدادات الطاقة والغذاء والمياه، وقدرة الأنظمة الصحية على التعامل مع الإصابات الجماعية، واستمرار الاتصالات والخدمات الحكومية خلال الأزمات.

وهذا التطور مهم لأنه يعكس انتقال الاستعداد الأوروبي من التركيز على القوات المسلحة وحدها إلى مفهوم أوسع يشمل المجتمع والبنية التحتية والخدمات الأساسية.

الحرب تقترب أكثر من حدود الناتو

في المقابل، أعلنت دول الاتحاد الأوروبي أن روسيا كثفت هجماتها على المدن والبنية التحتية الأوكرانية، بما في ذلك منشآت الطاقة والموانئ والسكك الحديدية ومراكز الخدمات اللوجستية، مع تسجيل ضربات في مناطق قريبة من الحدود البولندية.

وقال الاتحاد الأوروبي إن الهجمات الروسية قرب الحدود البولندية تُظهر، من وجهة نظره، أن الحرب باتت تمثل تهديداً متزايداً للأمن الأوروبي.

كما سبق أن تعرضت مناطق قريبة من الحدود البولندية لضربات روسية استهدفت بنى مرتبطة بالنقل والإمدادات العسكرية إلى أوكرانيا، وهو ما يزيد مخاوف وارسو من احتمال انتقال آثار الحرب إلى أراضي الناتو، ولو عن طريق الخطأ أو نتيجة اتساع نطاق العمليات.

وفي الوقت نفسه، تستمر الحرب داخل أوكرانيا بعنف كبير، حيث شنت روسيا خلال الأيام الأخيرة موجات من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على كييف ومدن ومناطق أخرى، مع سقوط قتلى وجرحى وأضرار في منشآت الطاقة والاتصالات والبنية التحتية.

وهكذا تبدو أوروبا اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: الحرب لا تزال تدور أساساً داخل الأراضي الأوكرانية، لكن دائرة المخاطر المحيطة بها تتسع، فيما تعمل دول الناتو على رفع جاهزيتها تحسباً لامتداد التداعيات إلى أراضيها.

وحتى الآن، لا توجد أدلة موثوقة على أن روسيا بدأت هجوماً مباشراً على بولندا أو أن حرباً روسية أطلسية اندلعت. لكن تحركات الطائرات العسكرية البولندية، ورفع جاهزية الدفاع الجوي، والتحذيرات الصادرة عن وارسو، واجتماعات ماكرون مع الأجهزة الأمنية والسياسية، وتصاعد اهتمام الحكومات الأوروبية بتأمين الغذاء والمياه والطاقة والبنى التحتية، كلها تعكس مستوى القلق الذي بلغته أوروبا بشأن مستقبل الحرب.

ويبقى السؤال الأكثر حساسية خلال المرحلة المقبلة مرتبطاً بقدرة موسكو وكييف والدول الغربية على منع حادث واحد من تحويل الحرب الأوكرانية إلى مواجهة أوسع بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، في وقت تتجه فيه العواصم الأوروبية إلى تعزيز الاستعداد المدني والعسكري، ليس باعتباره إعلاناً عن حرب وشيكة، وإنما تحسباً لأسوأ الاحتمالات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى