سياسة

محمد شوكي يرفع سقف الترافع : لا تنمية حقيقية دون تمكين الجماعات الترابية.. وبولمان وميسور في صلب معركته

في خضم الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية، اختار محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ووكيل لائحة الحزب بدائرة بولمان، أن يفتح من مدينة العيون واحداً من أكثر الملفات ارتباطاً بالعدالة المجالية، عندما تحدث بصراحة عن وضعية عدد من الجماعات الترابية التي ما تزال تعاني خصاصاً في البنيات التحتية والخدمات العمومية، مؤكداً أن تحميل الجماعات وحدها مسؤولية التأخر التنموي لا يقدم الصورة الكاملة، وأن جزءاً من المسؤولية يرتبط أيضاً بالقرار المركزي وبمدى تمكين الجماعات المتأخرة من الاعتمادات والإمكانات الضرورية.

وفي اللقاء التواصلي الذي عقده الحزب بمدينة العيون يوم 12 شتنبر الجاري، قال شوكي إن منتخبي التجمع الوطني للأحرار ظلوا، خلال السنوات الماضية، يرافعون من أجل تمكين الجماعات التي تعرف تأخراً في التنمية من ميزانيات وإمكانيات إضافية، مبرزاً أن بعض هذه الجماعات كانت تواجه خصاصاً في التطهير السائل والنقل المدرسي والبنيات التحتية والخدمات العمومية وخدمات القرب. واتهم، في هذا السياق، خصوم حزبه بعرقلة مساعي تخصيص ميزانيات استثنائية لبعض الجماعات، مؤكداً أن الحقيقة الكاملة بشأن المسؤوليات لا تقدم دائماً للرأي العام.

وتكتسي تصريحات شوكي أهمية خاصة بالنسبة إلى إقليم بولمان، الذي ظل خلال السنوات الخمس الماضية واحداً من أبرز المجالات التي ارتبط بها حضوره البرلماني والسياسي، إذ لم يقتصر ترافعه على ملف واحد، وإنما امتد إلى الماء والصحة والتعليم والبنيات التحتية والفلاحة والعالم القروي والخدمات الأساسية، وهو ما تعكسه الأسئلة البرلمانية التي وجهها إلى عدد من القطاعات الحكومية خلال الولاية التشريعية 2021-2026. وتظهر المعطيات الرسمية لمجلس النواب أن شوكي تقدم، من بين ملفات أخرى، بسؤال حول إدماج المناطق الجبلية والقروية في شبكة الإنترنت ذات الصبيب العالي، وأسئلة حول قطاعات صحية وتعليمية وخدماتية، فضلاً عن ملفات مرتبطة بإقليم بولمان بشكل مباشر.

من ميسور إلى جماعات بولمان.. الماء في صدارة الترافع

ومن أكثر الملفات التي ظل شوكي يضغط بشأنها ملف الماء، وخاصة وضعية مدينة ميسور والمناطق المرتبطة بها. ففي يوليوز 2026، وجه سؤالاً كتابياً إلى وزير التجهيز والماء حول الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب بمدينة ميسور والتأخر في إنجاز مشروع تزويدها بالماء انطلاقاً من سد الحسن الثاني، مستفسراً عن الإجراءات الاستعجالية لضمان انتظام التزويد وعن الجدول الزمني لاستكمال المشروع.

ولم يكن ملف سد الحسن الثاني بالنسبة إلى شوكي مجرد قضية تقنية، بل تحول إلى أحد عناوين الترافع عن فلاحي الإقليم، إذ سبق أن طالب بإطلاق المياه من السد لفائدة الأراضي الزراعية على ضفاف ملوية، مستحضراً حاجيات جماعات من بينها القصابي وميسور وسيدي بوطيب والرميلة وأوطاط الحاج وتانديت، ومشدداً على ضرورة توفير صبيب مائي مستمر لإنقاذ الزراعات والأشجار المثمرة.

وتزامن ذلك مع دخول مشروع تقوية تزويد ميسور وأوطاط الحاج ومناطق أخرى بالماء انطلاقاً من سد الحسن الثاني مرحلة حاسمة، قبل أن تسجل المدينة، في غشت الماضي، تحسناً في انتظام التزود بالماء، وفق معطيات محلية تحدثت عن مشروع تبلغ كلفته حوالي 251 مليون درهم.

ترافع لا يتوقف عند الماء

وإلى جانب الماء، امتد حضور شوكي البرلماني إلى ملفات اجتماعية وتنموية متعددة. ففي المجال الصحي، شهد إقليم بولمان خلال 2026 تعزيزاً للعرض الصحي، من خلال تدشين مركز صحي قروي من المستوى الثاني بتانديت، ضمن منظومة مشاريع لإعادة تأهيل وتجهيز مراكز صحية بالجهة، وهو ما يعكس المسار الذي يربط فيه شوكي بين الترافع البرلماني والمشاريع الميدانية التي تحتاجها الجماعات القروية والمراكز الحضرية بالإقليم.

وفي ملف السكن والعالم القروي، وجه شوكي بدوره سؤالاً حول إشكالية استفادة سكان العالم القروي من برنامج الدعم المباشر للسكن في ظل انتشار الأراضي السلالية، بما يعكس انشغاله بإشكالات لا تتوقف عند البنية التحتية وإنما تمتد إلى قدرة الأسر القروية على الاستفادة الفعلية من البرامج الوطنية.

كما تظهر الأسئلة البرلمانية المنشورة رسمياً ملفات أخرى ارتبطت بميسور وبولمان، من بينها إعادة إطلاق أشغال بناء مسجد بحي النجاح، وإحداث مركب ديني بمدينة ميسور، فضلاً عن ملفات تتعلق بالمساجد بالإقليم.

نهضة تنموية.. ولكن بمعركة مستمرة لفك العزلة

وبالنسبة إلى شوكي، فإن التحدي الذي يواجه بولمان لا يرتبط فقط بإنجاز مشروع هنا أو طريق هناك، وإنما بإحداث تحول تدريجي في موقع الإقليم داخل الخريطة التنموية الوطنية، عبر فك العزلة وتقوية الخدمات الأساسية ورفع جاذبية الجماعات الترابية ودعم الفلاحة والاقتصاد المحلي.

وهذا الطرح يجد سنده أيضاً في النقاش التنموي الجاري داخل الإقليم، حيث انعقد في أبريل الماضي اجتماع إقليمي حول الماء والكهرباء والتطهير السائل، بحضور عامل الإقليم والمدير العام للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس ومسؤولي المصالح اللاممركزة والمنتخبين، في سياق وصفته المعطيات المحلية بالدينامية التنموية التي يشهدها الإقليم خلال السنوات الأخيرة.

كما سبق أن استعرض شوكي، خلال لقاء حزبي ببولمان، مشاريع مرتبطة بالبنيات التحتية والمسالك الطرقية والمنشآت الرياضية في عدد من جماعات دوائر أوطاط الحاج وميسور ومرموشة وبولمان، مع التأكيد على مواصلة الترافع من أجل قطاعات الصحة والتعليم والفلاحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

شوكي من العيون.. ينقل معركة بولمان إلى النقاش الوطني

واللافت في خرجة شوكي الأخيرة من العيون أنه لم يتحدث فقط بصفته رئيساً لحزب يخوض الانتخابات، وإنما حاول تقديم تصور سياسي لمسألة توزيع المسؤوليات في التنمية الترابية. فحسب روايته، لا يمكن مطالبة الجماعات الترابية بالنتائج نفسها دون النظر إلى حجم الموارد المتاحة لها، ولا يمكن تحميل المنتخب المحلي وحده مسؤولية التأخر في مشاريع ترتبط في جزء منها بالقرار المركزي والقطاعات الوزارية.

ومن هنا تأتي أهمية خطابه بشأن ضرورة تمكين الجماعات المتأخرة من ميزانيات وإمكانات إضافية، وهي قضية تتقاطع بشكل مباشر مع واقع أقاليم جبلية وقروية مثل بولمان، حيث تفرض المساحة الشاسعة والتشتت السكاني وكلفة التجهيزات والخدمات العمومية تحديات أكبر من تلك الموجودة في المجالات ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وفي حالة بولمان تحديداً، اختار شوكي أن يجعل من الترافع على الماء، وفك العزلة، وتقوية الخدمات الصحية، ودعم العالم القروي، وتأهيل البنيات الأساسية، ملفات ثابتة في حضوره السياسي والبرلماني. واليوم، وهو يخوض الاستحقاقات التشريعية الجديدة بصفته رئيساً لحزب التجمع الوطني للأحرار ومرشحاً بدائرة بولمان، يضع هذه الحصيلة أمام ساكنة الإقليم، في محاولة لإقناعها بأن سنوات الترافع لم تكن مجرد حضور انتخابي، وإنما مسار سياسي يريد تحويله إلى أوراش ومشاريع تنموية متواصلة.

وبذلك، يبدو أن معركة محمد شوكي في بولمان لا تختزل في البحث عن مقعد برلماني جديد، بل ترتبط أيضاً بتقديم جواب سياسي عن سؤال ظل مطروحاً بقوة في الإقليم: كيف يمكن تحويل الترافع عن الجماعات الترابية من مجرد مطالب متفرقة إلى موارد ومشاريع ملموسة تقلص الفوارق المجالية وتمنح ميسور وباقي جماعات بولمان موقعاً أقوى في مسار التنمية؟ وهذه، في النهاية، هي المعركة التي ستختبرها ساكنة الإقليم أمام صناديق الاقتراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى