فاس.. حملة انتخابية محتشمة تترقب سخونة الشوارع وتختبر قدرة المرشحين على إقناع الناخبين

دخلت الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر الجاري، اليوم الخامس، الثلاثاء 15 شتنبر 2026، وسط أجواء ما تزال محتشمة بمدينة فاس، حيث لم تنتقل أغلب اللوائح المتنافسة بعد إلى التعبئة الميدانية الواسعة، فيما بدأت بعض الأحزاب في تكثيف حضورها داخل الأحياء والشوارع، بحثاً عن التواصل المباشر مع الساكنة وإقناعها بالتصويت لصالح مرشحيها.
وتنظم الحملة الانتخابية، وفق الجدول الرسمي، من الساعة الأولى من يوم الخميس 10 شتنبر إلى منتصف ليلة الثلاثاء 22 شتنبر 2026، على أن يجري الاقتراع يوم الأربعاء 23 شتنبر.
وتشكل لقاءات المنازل إحدى أبرز أدوات الحملة الانتخابية في هذه المرحلة، حيث يعمد مرشحون إلى عقد اجتماعات محدودة مع سكان الأحياء، وفعاليات محلية، ومناضلين، وأشخاص تربطهم علاقات اجتماعية وعائلية بالناخبين. وتتيح هذه اللقاءات للمرشحين عرض تصوراتهم، والاستماع إلى انتظارات السكان، وبناء شبكات تواصل مباشرة بعيداً عن التجمعات الكبرى.
غير أن هذا الأسلوب يظل، في نظر متابعين للشأن السياسي المحلي، مؤشراً على أن عدداً من الأحزاب لم يدخل بعد مرحلة التعبئة القصوى، وأن الحملة ما تزال في بدايتها، في انتظار الأيام الأخيرة التي عادة ما تشهد ارتفاعاً في وتيرة الأنشطة واللقاءات والزيارات الميدانية.
الشباب والنساء.. حضور انتخابي يبحث أيضاً عن فرص العمل
وبالتوازي مع تحركات المرشحين، تعرف الحملة الانتخابية بفاس حضوراً لعدد من الشباب والنساء الذين يتواصلون مع المرشحين وأعضاء فرقهم، سواء بهدف المساهمة في تنظيم الأنشطة أو توزيع المنشورات أو البحث عن فرص عمل مؤقتة مرتبطة بالحملة.
وتتداول أوساط محلية حديثاً عن تخصيص بعض المرشحين دعماً مالياً يومياً يناهز 200 درهم لفائدة أشخاص يشتغلون في حملاتهم، غير أن هذا الرقم لا يمكن اعتباره معطى عاماً أو ثابتاً لدى جميع اللوائح، كما لا يمكن الجزم بأن كل من يشارك في الحملة يتلقى مقابلاً مالياً. ويظل التمييز ضرورياً بين العمل التنظيمي المشروع وبين أي ممارسة قد تستهدف التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين.
ساكنة فاس.. تذمر من الوجوه نفسها وانتظار لبديل مقنع
وفي المقابل، تبدو فئات من ساكنة فاس أقل حماساً تجاه الحملة الحالية، في ظل ما تصفه شكايات وانطباعات متداولة باستمرار ظهور الوجوه السياسية نفسها، دون أن ترى فيها إضافة نوعية أو تغييراً ملموساً في واقع المدينة. ويعكس هذا الموقف حالة من الترقب والانتظار، خصوصاً لدى مواطنين يربطون المشاركة الانتخابية بمدى قدرة المرشحين على تقديم حلول عملية لملفات التشغيل، والنقل، والسكن، والخدمات الصحية، والتعليم، وتحسين ظروف العيش.
ولا يعني هذا أن جميع الناخبين يتخذون الموقف نفسه، غير أن المزاج الانتخابي بفاس يبدو متحركاً وغير محسوم، إذ تتداخل فيه الاعتبارات المحلية، والعلاقات الشخصية، وتقييم الحصيلة، والبحث عن بدائل، فضلاً عن درجة الثقة في الأحزاب والمرشحين.
من الشعبوية إلى البرنامج.. معركة الإقناع الحقيقية
وفي ظل هذا المشهد، يطرح السؤال نفسه حول طبيعة الحملة التي يمكن أن تقنع ساكنة فاس: هل هي الحملة التي تكتفي بالظهور في الشوارع، والتقاط الصور، وتنظيم موائد الأكل الشعبي، أم تلك التي تقدم برنامجاً سياسياً واضحاً، وتشرح للناخبين ما الذي يمكن إنجازه فعلياً خلال الولاية المقبلة؟
فاستمالة الكتلة الناخبة لا ينبغي أن تختزل في الشعبوية أو في استعراض القرب عبر صور وفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تقتضي من المرشح أن يكون قادراً على الدفاع عن مشروع سياسي، وتقديم التزامات قابلة للقياس، والإجابة عن أسئلة المواطنين حول حصيلة السنوات الماضية، وماذا سيقترح لمعالجة الملفات التي تؤرق المدينة.
تراجع الإيديولوجيا وصعود الصورة
وتكشف الحملة الحالية، كما يرى متابعون، عن استمرار تراجع الخطاب الإيديولوجي التقليدي لصالح خطاب أكثر براغماتية وشخصانية، حيث باتت الصورة، والحضور الرقمي، وعدد المتابعين، والقدرة على صناعة مشهد انتخابي جذاب، عناصر مؤثرة في طريقة تقديم المرشح نفسه.
غير أن هذا التحول يطرح تحدياً حقيقياً أمام الأحزاب، إذ قد تتحول الحملة إلى سباق في الصور والظهور، بدل أن تكون مناسبة لمناقشة البرامج والسياسات العمومية. وفي مدينة مثل فاس، التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية ومجالية كبيرة، يظل الرهان الحقيقي هو قدرة المرشحين على تقديم إجابات مقنعة، لا مجرد صناعة حضور مؤقت خلال أيام الحملة.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، ينتظر أن ترتفع وتيرة التحركات الميدانية، وأن تتضح أكثر ملامح المنافسة بين اللوائح، خصوصاً في الدائرتين الانتخابيتين فاس الجنوبية وفاس الشمالية. لكن ما سيحسم جزءاً كبيراً من هذه المنافسة لن يكون بالضرورة حجم الضجيج في الشوارع، بل مدى قدرة كل مرشح على إقناع الناخبين بأن لديه مشروعاً يستحق الثقة، وأن صوته الانتخابي يمكن أن يتحول إلى عمل مؤسساتي يخدم مصالح المدينة وساكنتها.
صراع على الأسماء المؤثرة.. و«فراقشية» تتنقل بين الحملات
وبالتوازي مع تحركات المرشحين، ما زالت الكواليس الانتخابية بفاس تشهد صراعاً محموماً من أجل استقطاب بعض الأسماء التي يُنظر إليها باعتبارها ذات نفوذ داخل أحيائها، وقادرة على تعبئة الناخبين والتأثير في اتجاهات التصويت. فعدد من المرشحين لا يكتفي بالبحث عن مناضلين حزبيين، بل يسعى إلى استقطاب وجوه محلية وفاعلين اجتماعيين وأشخاص راكموا علاقات واسعة داخل الأحياء، أملاً في تحويل هذه الشبكات إلى أصوات انتخابية يوم الاقتراع.
وفي هذا السياق، بدأ المشهد الانتخابي يخيم عليه ما يسميه بعض المتابعين بـ«الفراقشية» في الحملات الانتخابية، في إشارة إلى أشخاص ينتقلون بين الأحزاب واللوائح، ويغيرون مواقعهم بحسب ما يرونه من فرص ومكاسب، في رحلات بحث عن «الغنائم» الانتخابية. وهي ممارسات تطرح أسئلة حول حدود الالتزام الحزبي، وحول ما إذا كانت بعض التحالفات الانتخابية تقوم على قناعة سياسية وبرنامج واضح، أم على حسابات ظرفية مرتبطة بالمصلحة الشخصية والنفوذ المحلي.
ولا يعني ذلك أن كل انتقال بين الأحزاب يندرج ضمن هذا السلوك، إذ قد تكون هناك تحولات سياسية مشروعة ناتجة عن اختلاف في التوجهات أو تقييم الحصيلة. غير أن الإشكال يبرز عندما يتحول المرشح أو الفاعل المحلي إلى مجرد ورقة انتخابية قابلة للتنقل من لائحة إلى أخرى، دون أن يكون للناخبين أو للبرامج أو للالتزامات السياسية حضور حقيقي في هذا الاختيار.
ويزيد هذا الوضع من حدة النقاش حول طبيعة المنافسة الانتخابية بفاس، حيث يبدو أن بعض الحملات تراهن على قوة الأسماء وشبكات العلاقات أكثر مما تراهن على قوة المشاريع والبرامج. وفي النهاية، يظل السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه التحركات ستنتج تعبئة انتخابية حقيقية، أم أنها ستبقى مجرد صراعات على النفوذ والأسماء، سرعان ما تنتهي بانتهاء يوم الاقتراع.






