صراع الأجنحة في الجزائر: معركة كسر العظم و الرصاص الحي تستعير بين الرئيس تبون والجيش

دخل النظام الجزائري مرحلة صراع داخلي مفتوح وعنيف بين مراكز النفوذ؛ حيث تحولت محاكمة المدير العام السابق للأمن الوطني، فريد زين الدين بن الشيخ، من ملف قضائي إلى مرآة تعكس حجم التوتر المكتوم في قمة الهرم بين الرئاسة (عبد المجيد تبون) والمؤسسة العسكرية (السعيد شنقريحة).
هذا الصراع يتجاوز الخلافات التقليدية أو التسريبات الإعلامية، لينتقل إلى تصفية حسابات قضائية وأمنية تمس الأعمدة الرئيسية للرئيس تبون، بالتزامن مع موجة إقالات وتغييرات متلاحقة داخل الاستخبارات، عنوانها الأبرز: سعي الجيش لتضييق الخناق على حلقة الرئيس وإعادة الإمساك بمفاصل القرار الاستراتيجي.
بن الشيخ وبوعلام: الاستهداف المباشر لرجال الرئيس
-
مشروع الرئاسة المجهض: تعيين بن الشيخ عام 2021 كان جزءاً من خطة تبون لتقليص الهيمنة المطلقة للجيش على الملفات الأمنية والاستخباراتية. وتبنيه لخيار إعادة توحيد الاستخبارات وتوسيع صلاحيات الشرطة والرئاسة اعتُبر تهديداً مباشراً لنفوذ العسكر التاريخي.
-
محور السقوط (بن الشيخ – بوعلام): عجّل سقوطَ بن الشيخ (إعفاؤه ثم اعتقاله في أكتوبر 2024 من قِبل أمن الجيش) علاقتُه الوثيقة بـ بوعلام بوعلام، مدير ديوان الرئاسة والرجل الأقوى داخل القصر، والذي بات الجيش ينظر بقلق شديد وتوجس إلى تدخله المتنامي في ملفات أمنية وقضائية تعتبر “محفوظة” للعسكر.
محاكمة البليدة: صندوق بندورا المستور
تحولت المحاكمة العسكرية بالبليدة إلى مصدر رعب حقيقي للرئاسة؛ إثر اعتراف بن الشيخ بتنفيذ تعليمات تبون (عبر بوعلام بوعلام) لمتابعة ملفات جنرالات نافذين، وقضايا تسريبات للخارج، وصراعات إعلامية. هذا الانكشاف القضائي يكرس الشرخ العميق ويؤكد استهداف الجيش للدائرة اللصيقة بالرئيس.
ارتباك القصر واختفاء رجال الظل
امتدت معركة تفكيك محيط تبون لتشمل:
-
تواري بوعلام بوعلام: غيابه المفاجئ عن المشهد يعكس استهدافه مباشرة من قيادة الجيش بتهمة التدخل في القضاء العسكري ومحاولة التأثير على قضاة المحاكمة.
-
قناة الاتصال المقطوعة (محمد حمّوش): اتضح انزعاج الجيش من المستشار القانوني للرئاسة، الذي لعب دور الوسيط بين القصر ومحكمة البليدة.
-
فضيحة المراسيم المتناقضة: تجلى الارتباك العارم في مايو الماضي بنشر مرسوم رئاسي يعفي ثلاثة مستشارين (بينهم حمّوش) ثم نفي الرئاسة للإعفاء بعد أيام؛ ما يفضح وجود مراكز قوى متعارضة تصدر قرارات متناقضة داخل الدولة نفسها.
الجذور والامتدادات: من الدستور إلى تفكيك الولاية
تضرب الأزمة جذورها في نهاية عام 2025؛ إثر خلاف حاد حول “تعديلات دستورية تقنية” أرادها تبون لفتح الباب أمام تمديد حكمه أو التحضير لعهدة ثالثة، وقابلها شنقريحة بمقاطعة رمزية لمجلس الوزراء. ورغم احتواء الأزمة بتسوية أسقطت التمديد، إلا أن الجيش انتقل اليوم من “الاحتواء” إلى “التفكيك” الشامل لرجال تبون لإعادة تكريس مركزية المؤسسة العسكرية.
الجزائر مقبلة على المنعطف الأكثر حساسية في تاريخها الحديث؛ حيث لم يعد الصراع محصوراً في الخيارات الاقتصادية أو الدبلوماسية، بل بات حرباً وجودية لحسم هوية الحاكم الفعلي للبلاد ورسم مستقبل النظام تحت وطأة الضغوط الإقليمية والداخلية.
الصمت الرهيب: هدوء ما قبل العاصفة والتحضير للتصفيات الكبرى
وفي خط التماس الأخير لهذا الصراع، يخيّم على العاصمة الجزائرية صمت رهيب ومريب؛ صمتٌ لا يعكس هدنة أو تهدئة، بل يُنبئ باللحظات الحرجة التي تسبق عاصفة الحسم. فالأجواء المشحونة خلف كواليس صناعة القرار تشي بأن كلا الجناحين قد انتقلا إلى مرحلة الاستعدادات القصوى لتصفية الحسابات بشكل نهائي وشامل. ولم يعد الأمر مقتصراً على الإقالات أو المحاكمات السياسية، بل يتعداه إلى ترتيبات حثيثة لتفكيك ما تبقى من شبكات النفوذ المتبادلة، واستئصال رؤوس قوى الطرف الآخر؛ في معركة “كسر عظم” وجودية، لن تنتهي إلا بإقصاء كامل وشامل لأحد المعسكرين، وإعادة صياغة الخارطة السياسية للبلاد بالحديد والنار.






