الشيخ الكركري يؤدي الصلاة في قلب سان فرانسيسكو الأمريكية دون اعتراض.. مشهد يعيد طرح نموذج التعايش الديني الذي يدعو إليه المغرب

في مشهد يحمل أكثر من دلالة رمزية وثقافية، تداول متابعون للزاوية الكركرية صوراً للشيخ محمد فوزي الكركري، شيخ الطريقة الكركرية المنحدرة من إقليم الدريوش، وهو يؤدي الصلاة رفقة عدد من مريديه في فضاء عمومي بمدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، في أجواء اتسمت بالهدوء والاحترام المتبادل، دون تسجيل أي اعتراض أو توتر من قبل المارة أو رواد المكان.
وتظهر الصور المتداولة الشيخ الكركري ومرافقيه وهم يؤدون الصلاة في أحد الفضاءات المفتوحة المطلة على الواجهة البحرية للمدينة الأمريكية، بينما يواصل المواطنون والسياح تنقلهم بشكل عادي، في صورة تختزل جانباً من ثقافة التعايش الديني التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية الحديثة، حيث تكفل القوانين حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية في إطار احترام النظام العام.

غير أن أهمية المشهد لا تكمن فقط في أداء الصلاة في فضاء مفتوح، بل في الرسالة الحضارية التي يحملها. فبينما تروج بعض الخطابات لفكرة الصدام الحتمي بين الحضارات والأديان، تأتي مثل هذه الصور لتؤكد أن الواقع الإنساني أكثر انفتاحاً وتعقيداً، وأن الاختلاف الديني لا يمنع العيش المشترك متى توفرت ثقافة الاحترام المتبادل.
ويعد الشيخ محمد فوزي الكركري من أبرز الوجوه الصوفية المغربية التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في نسج جسور تواصل مع دوائر أكاديمية وثقافية خارج المغرب، حيث استقطبت التجربة الكركرية اهتمام باحثين ومهتمين بالتصوف والفكر الروحي في عدد من الدول الغربية. كما شارك الشيخ في لقاءات وندوات فكرية وثقافية تناولت قضايا الروحانية والحوار بين الثقافات، ما جعل حضوره يتجاوز الإطار الديني التقليدي إلى فضاء النقاش الفكري والإنساني الأوسع.
ويرى متابعون أن هذه المشاهد تعكس جانباً من القوة الناعمة التي يمتلكها المغرب في المجال الديني والروحي. فالمملكة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، راكمت تجربة معترفاً بها دولياً في مجال تدبير الشأن الديني على أساس الوسطية والاعتدال والتسامح، وهو ما جعل النموذج المغربي يحظى باهتمام متزايد داخل إفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.
ولم يكن المغرب يوماً بلداً منغلقاً على ذاته، بل شكل عبر تاريخه الطويل أرضاً للتعايش بين الحضارات والثقافات والأديان. فمنذ قرون احتضنت المدن المغربية المسلمين واليهود والأندلسيين والأفارقة والأوروبيين، وأسهم الجميع في بناء هوية وطنية غنية ومتعددة الروافد. ولذلك فإن صورة شيخ مغربي يؤدي الصلاة في قلب مدينة أمريكية كبرى لا تبدو حدثاً معزولاً، بل امتداداً طبيعياً لتاريخ طويل من الانفتاح والتواصل الحضاري.
كما تكشف هذه الواقعة عن تحول مهم في نظرة جزء من المجتمعات الغربية إلى الإسلام والمسلمين. فبدل الصورة النمطية التي تحاول بعض التيارات المتطرفة ترسيخها، يبرز واقع آخر يقوم على المعرفة المباشرة والحوار والتفاعل الثقافي. وعندما يمر مواطن أمريكي بجانب مجموعة من المصلين المسلمين دون خوف أو رفض، فإن ذلك يعكس نجاح قيم المواطنة المشتركة في تجاوز الكثير من الأحكام المسبقة.
ويؤكد متابعون أن العالم اليوم أصبح في حاجة إلى مثل هذه الرسائل أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل تصاعد النزاعات والهويات المغلقة في عدد من المناطق. فالتعايش لا يتحقق عبر الشعارات وحدها، بل من خلال ممارسات يومية بسيطة تثبت أن الإنسان قادر على احترام معتقد غيره دون أن يتخلى عن معتقده هو.
ومن سان فرانسيسكو إلى الدريوش، ومن المغرب إلى الولايات المتحدة، تحمل هذه الصورة رسالة واضحة مفادها أن الأديان ليست بالضرورة مصدراً للصراع، بل يمكن أن تكون جسراً للتعارف والتفاهم بين الشعوب. كما تؤكد أن النموذج المغربي في الاعتدال الديني والتصوف السني المنفتح ما زال قادراً على تقديم مساهمة حقيقية في تعزيز ثقافة السلم والحوار بين الحضارات في عالم يزداد حاجة إلى مساحات التفاهم والاحترام المتبادل.






