السلطات الإقليمية بتاونات والشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس في لقاء تواصلي موسع يؤسس لمرحلة جديدة من التشاور الترابي لتجويد خدمات الماء والكهرباء والتطهير وتعزيز القرب مع الجماعات الترابية

في سياق التحولات العميقة التي يشهدها تدبير المرافق العمومية بجهة فاس–مكناس، احتضنت عمالة إقليم تاونات اليوم،الخميس (23 أبريل 2026)، لقاءً تواصلياً موسعاً جمع السلطات الإقليمية بمسؤولي الشركة الجهوية متعددة الخدمات،و بحضور مجموعة الجماعات للتوزيع في محطة تعكس بوضوح انتقال هذا الورش من مرحلة التأسيس النظري إلى منطق الفعل الميداني والتخطيط التشاركي. وقد ترأس هذا اللقاء الكاتب العام للعمالة نيابة عن عامل الإقليم، الذي تعذر عليه الحضور لالتزامات طارئة، فيما مثل الشركة مديرها العام محمد الشاوي، مرفوقاً بعدد من الأطر والمديرين المركزيين والتقنيين، إلى جانب حضور وازن لرؤساء 49 جماعة ترابية وممثلي المصالح اللاممركزة، في مشهد يعكس انخراطاً جماعياً في إعادة صياغة العلاقة مع المرفق العمومي.
لقاء يندرج ضمن دينامية جهوية شاملة
هذا الاجتماع لم يكن معزولاً أو ظرفياً، بل يندرج ضمن جولات تشاورية أطلقتها الشركة الجهوية متعددة الخدمات عبر تسعة أقاليم بجهة فاس–مكناس، في إطار رؤية استراتيجية تقوم على الإنصات المباشر لمختلف الفاعلين الترابيين، وتجاوز المقاربات التقليدية التي أثبتت محدوديتها في معالجة الإشكالات البنيوية التي يعرفها القطاع. وقد سبقت هذا اللقاء محطات مماثلة بكل من إقليمي تازة وبولمان، على أن تشمل هذه الدينامية كافة أقاليم الجهة، في أفق بناء تصور مشترك ومندمج يعكس خصوصيات كل مجال ترابي ويستجيب لحاجيات ساكنته.
وفي كلمته التوجيهية، شدد الكاتب العام على أن هذه اللقاءات تترجم إرادة الدولة في تحديث تدبير الخدمات الأساسية، عبر اعتماد نماذج حكامة جديدة تقوم على النجاعة والالتقائية، مؤكداً أن السلطات الإقليمية ستظل شريكاً أساسياً في مواكبة هذا التحول، من خلال تسهيل التنسيق بين مختلف المتدخلين وضمان تنزيل البرامج وفق أولويات التنمية المحلية.
عرض استراتيجي يرسم ملامح نموذج جديد
من جهته، قدم المدير العام للشركة محمد الشاوي عرضاً مفصلاً أبرز من خلاله مرتكزات الاستراتيجية الجديدة التي تعتمدها المؤسسة وفق توجيهات السلطات المركزية و بمواكبة والي الجهة و عمال الأقاليم، والتي تقوم على إرساء نموذج تدبيري قائم على مرتكزات تجويد الخدمات و نهج إستراتجية القرب والتفاعل والنجاعة، معتبراً أن هذه اللقاءات ليست مجرد مناسبات تواصلية، بل آلية عملية لتشخيص الاختلالات، وإشراك المنتخبين والفاعلين المحليين في صياغة الحلول وتحديد الأولويات.
وأكد الشاوي أن الشركة تسعى إلى الانتقال من منطق التدبير المركزي إلى مقاربة مرنة تستحضر خصوصيات كل إقليم وجماعة، مع التركيز على تحسين جودة الخدمات، وتسريع التدخلات التقنية، وتعزيز آليات معالجة شكايات المواطنين داخل آجال زمنية معقولة، بما يعيد الثقة في المرفق العمومي. كما شدد على أن المؤسسة تعتمد سياسة انفتاح شاملة، تجعلها في تواصل دائم مع مختلف الشركاء، واضعة نفسها رهن إشارة الجماعات الترابية وساكنة الإقليم.

تفاعل ميداني يعكس انتظارات حقيقية
اللقاء عرف تفاعلاً قوياً من طرف رؤساء الجماعات الترابية، الذين عبروا عن ارتياحهم لهذا النهج التشاركي الجديد، معتبرين أنه يشكل تحولاً نوعياً في طريقة تدبير القطاع، حيث تم فتح نقاش صريح ومسؤول حول الإشكالات المرتبطة بالماء الصالح للشرب، والانقطاعات الكهربائية، وتعثر مشاريع التطهير السائل، خاصة في العالم القروي.
وقد تميزت مداخلات الحضور بطرح مطالب دقيقة تعكس واقع الميدان، من قبيل تسريع ربط الدواوير بالماء، وتقوية الشبكات الكهربائية، وتوسيع التغطية بخدمات التطهير، إلى جانب تقديم مقترحات عملية تروم تحسين الأداء، من بينها إحداث فرق تدخل محلية، واعتماد حلول رقمية لتتبع الشكايات، وتعزيز قنوات التواصل مع المواطنين.
من طاولة الحوار إلى قلب الأزمات
وإذا كان اللقاء التواصلي يعكس الإرادة المؤسساتية في الإصلاح، فإن التدخلات الميدانية التي قامت بها الشركة خلال الفيضانات الأخيرة شكلت اختباراً حقيقياً لقدرتها على الاستجابة في الظروف الصعبة، حيث بصمت على حضور قوي وفعال في عدد من الأقاليم، وعلى رأسها إقليم تاونات الذي كان من بين الأكثر تضرراً.
فوفق معطيات موثوقة، أنجزت الشركة ما يقارب 12 ألف تدخل ميداني في ظرف وجيز، شملت إصلاح الأعطاب المرتبطة بشبكات الكهرباء والماء والتطهير، في مواجهة مباشرة لتداعيات التساقطات المطرية القوية والانجرافات. وعلى مستوى إقليم تاونات وحده، تم تسجيل أكثر من 1992 تدخلاً في قطاع الكهرباء، نتيجة تضرر واسع للشبكة، إلى جانب تدخلات متعددة لإصلاح قنوات الماء الصالح للشرب، وتنظيف شبكات التطهير وإزالة الانسدادات التي تسببت فيها السيول.
هذه الأرقام تعكس حجم التعبئة التي قامت بها الشركة، والتي جندت فرقها التقنية واللوجستية في ظروف معقدة، لضمان استمرارية الخدمات الأساسية وإعادة الأمور إلى طبيعتها في أسرع وقت ممكن، ما خلف ارتياحاً لدى الساكنة وعزز من صورة المؤسسة كفاعل ميداني قادر على التدخل في الأزمات.
منظومة تدخل حديثة ورؤية استباقية
وقد اعتمدت الشركة في هذه التدخلات على منظومة متكاملة شملت فرق تدخل سريع، وآليات متطورة لضخ المياه وتنظيف القنوات، إضافة إلى تقنيات رقمية لمراقبة الشبكات ورصد الأعطاب بشكل آني، فضلاً عن اعتماد مقاربة استباقية تقوم على تنظيف النقاط السوداء ومراقبة البنيات التحتية بشكل دوري، بما يقلل من مخاطر الفيضانات مستقبلاً.
كما أقرت إدارة الشركة بأن التحديات التي تواجهها مرتبطة أيضاً بإرث ثقيل من البنيات التحتية المتقادمة، ما يجعلها تشتغل في مسارين متوازيين، يتعلق الأول بإصلاح الأعطاب الآنية، فيما يهم الثاني إطلاق برامج لإعادة تأهيل الشبكات وتقويتها لتكون أكثر صموداً أمام التغيرات المناخية.
توسيع دائرة التشاور وتعميق القرب
وفي ختام اللقاء، تم الاتفاق على تنظيم لقاءات تواصلية إضافية على مستوى الدوائر الترابية التابعة لإقليم تاونات، بهدف تعميق النقاش والوقوف على خصوصيات كل جماعة، في خطوة تعكس إرادة حقيقية لتوسيع دائرة التشاور وعدم الاكتفاء بالمقاربات المركزية.
ويؤشر هذا التوجه على تحول في فلسفة التدبير، حيث لم يعد القرار يُتخذ بشكل فوقي، بل أصبح ثمرة نقاش مشترك يراعي الواقع المحلي ويستند إلى معطيات ميدانية دقيقة.
نحو نموذج جديد للمرفق العمومي
إن ما يجري اليوم بجهة فاس–مكناس، من خلال هذه اللقاءات التشاورية والتدخلات الميدانية، يعكس بوضوح ملامح نموذج جديد في تدبير المرافق العمومية،وخدمة الساكنة يقوم على القرب، والنجاعة، والتفاعل المستمر مع انتظارات المواطنين، في مقابل تجاوز أنماط التدبير التقليدية التي لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الراهنة.
الشركة الجهوية متعددة الخدمات، ومن خلال هذا الزخم من المبادرات، تضع نفسها أمام رهان حقيقي يتمثل في كسب ثقة المواطن، ليس عبر الخطاب، بل من خلال نتائج ملموسة على أرض الواقع، وهو ما بدأت ملامحه تتشكل سواء عبر التدخلات الميدانية خلال الأزمات، أو من خلال فتح قنوات الحوار مع مختلف الفاعلين.
تاونات تؤشر على بداية التحول
لقاء تاونات لم يكن مجرد محطة تواصلية، بل شكل لحظة مفصلية في مسار إصلاحي أوسع، يعيد ترتيب أولويات تدبير الخدمات الأساسية، ويؤسس لعلاقة جديدة بين المؤسسة والمواطن، قائمة على الشفافية والمسؤولية المشتركة.
وبين زخم اللقاءات التشاورية وقوة التدخلات الميدانية، يبدو أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ نموذج تدبيري حديث، قادر على مواجهة التحديات، والاستجابة لتطلعات الساكنة، وتحقيق تنمية ترابية متوازنة، يكون فيها المرفق العمومي في مستوى انتظارات المواطنين.






