مستشفى تاونات العمومي يتآكل… وبلاغ يلمّع: عندما تتحول المعاناة إلى “بيان توضيحي”

في خضم الجدل الذي أثارته الصور المتداولة من المستشفى الإقليمي بتاونات، خرجت المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة ببلاغ “توضيحي” حاولت من خلاله احتواء الغضب، لكنه في الواقع كشف أكثر مما أخفى. فبين سطور هذا البلاغ، يتجلى اعتراف ضمني بحجم التدهور الذي يعاني منه هذا المرفق الحيوي، في وقت تتفاقم فيه معاناة الساكنة والمرتفقين وسط صمت مريب للمسؤولين.
بلاغ يقرّ ولا يعالج

البلاغ الرسمي يتحدث عن “تأثر بعض الأقسام بالرطوبة” وعن “برنامج شامل لإعادة التأهيل”. لكن هذه العبارات، رغم صياغتها الإدارية الهادئة، تحمل اعترافًا واضحًا بأن الوضع لم يعد مجرد اختلالات بسيطة، بل هو تدهور بنيوي طال البنية التحتية والتجهيزات على حد سواء. الحديث عن “إعادة تأهيل شامل” يعني ضمنيًا أن المستشفى في وضع غير لائق أصلًا لتقديم خدمات صحية محترمة.
كما أشار البلاغ إلى زيارات ميدانية ولجان تقنية، وهي إجراءات غالبًا ما تُستدعى بعد انفجار الفضيحة إعلاميًا، لا قبلها. ما يطرح سؤالًا جوهريًا: أين كانت هذه اللجان قبل أن تتحول صور المستشفى إلى مادة صادمة للرأي العام؟
واقع لا يحتاج إلى تفسير
الصور المتداولة لا تحتاج إلى تعليق مطول بقدر ما تحتاج إلى مساءلة عاجلة:
جدران متآكلة ومغطاة بالعفن والرطوبة، في بيئة يفترض أن تكون معقمة.
تجهيزات طبية مهترئة، وأسِرّة في حالة متدهورة، تكاد تعكس الإهمال أكثر مما تعكس الرعاية.
كراسي متحركة متهالكة، لا تحفظ حتى الحد الأدنى من كرامة المرضى.
هذه ليست مجرد “نقائص تقنية”، بل مشاهد تختزل انهيارًا حقيقيًا في شروط الاستشفاء، وتطرح مخاطر صحية إضافية على المرضى بدل علاجهم.
ساكنة تدفع الثمن… ومسؤولون في صمت
بين البلاغ والصور، يقف المواطن البسيط كأكبر متضرر. ساكنة إقليم تاونات، التي تعاني أصلًا من هشاشة الخدمات، تجد نفسها أمام واقع صحي متدهور، دون بدائل حقيقية. المرضى لا يطلبون رفاهية، بل حقًا أساسيًا: العلاج في ظروف إنسانية.
في المقابل، يبرز الغياب شبه التام للمحاسبة. لا أسماء تُذكر، لا مسؤوليات تُحدد، ولا إجراءات زجرية تُعلن. فقط وعود بالإصلاح، وتأجيل مستمر للمساءلة.
فضائح متكررة… ونفس السيناريو
ما حدث ليس معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاختلالات التي يعرفها القطاع الصحي. كل مرة تتفجر فضيحة، يتكرر نفس السيناريو:
انتشار صور أو شهادات صادمة
صدور بلاغ تهدئة
إعلان عن لجان وزيارات
اختفاء الملف تدريجيًا دون محاسبة حقيقية
هذا النمط يعكس خللًا أعمق من مجرد نقص في الموارد؛ إنه خلل في الحكامة، وفي ثقافة المسؤولية.
المطلوب: ما بعد البلاغ
الوضع لم يعد يحتمل لغة التبرير أو التسويف. ما يحتاجه الرأي العام اليوم هو:
فتح تحقيق شفاف ومستقل يحدد المسؤوليات بدقة.
ربط المسؤولية بالمحاسبة بدل الاكتفاء بالبلاغات.
تسريع فعلي للإصلاحات بدل الاكتفاء بالإعلان عنها.
إقالة كل من ثبت تقصيره في تدبير هذا المرفق الحيوي.
البلاغ “التوضيحي” لم يُنهِ الجدل، بل عمّقه. لأنه، ببساطة، أكد أن ما ظهر في الصور ليس مبالغة، بل واقعًا قائمًا. وبين اعتراف غير مباشر وصمت مستمر، تبقى صحة المواطن هي الضحية الأولى.
وفي انتظار تحرك جدي، يبقى السؤال معلقًا:
هل تتحول هذه الفضيحة إلى نقطة محاسبة حقيقية… أم مجرد ملف آخر يُطوى بصمت؟






