اقتصاد

فاس مكناس… استثمار بلا أثر ومعطيات رسمية تصطدم بواقع اجتماعي مأزوم

عقد المركز الجهوي للاستثمار فاس مكناس مؤخرًا مجلسه الإداري بمدينة فاس، حيث تم عرض حصيلة استثمارية كبيرة على الورق: مشاريع بمليارات الدراهم، آلاف مناصب الشغل المرتقبة، ووعود برفع دينامية الاستثمار بالجهة. غير أن هذه الدورة لم تحمل أي حلول عملية، ولم تجب عن أسئلة الواقع المأزوم الذي يعيشه المواطنون في فاس مكناس، ما يوضح ضعف الحكامة داخل المجلس وغياب رؤية واستراتيجية واقعية لإصلاح الاختلالات المتراكمة.

أرقام “الإنجاز” تتصادم مع الواقع

الحديث عن استقطاب مشاريع ضخمة وآلاف فرص الشغل لم يترجم على الأرض إلا إلى بطالة مستفحلة، ركود في الشركات، وتوقف أو إغلاق مصانع تاريخية عريقة كانت تشكل ذاكرة صناعية للجهة. هنا يظهر التناقض الصارخ بين أرقام المجلس وبين واقع الشارع: أرقام ترتفع، وواقع ينهار. الشركات الجديدة لا تخلق دينامية حقيقية، وأخرى تكافح فقط للبقاء، في حين تنسحب بعض الاستثمارات الكبرى نحو جهات أكثر حيوية، تاركة فاس ومحيطها يعاني من فراغ اقتصادي حاد.

أحياء صناعية… عين الشكاك وعين البيضاء نموذجًا للفشل

الأحياء الصناعية مثل عين الشكاك وعين البيضاء تم تنزيلها بشكل عشوائي، بعيدًا عن دراسة جدوى دقيقة، مع غياب الربط بالسوق والقدرة التشغيلية. غالبية هذه الأحياء شبه فارغة، أو تحتوي على وحدات إنتاجية محدودة وغير قادرة على خلق أثر اقتصادي ملموس، ما يجعل الحديث عن التنمية مجرد شعارات على الورق.

الاستثمار ليس “ترحيل الحرفيين”

من أكبر المغالطات التي يروج لها المجلس: نقل الحرفيين من المدينة العتيقة إلى الأحياء الصناعية. هذا ليس استثمارًا، بل إبعاد للحرفيين عن أسواقهم التقليدية، ما يزيد من هشاشة النسيج الحرفي ويجعلهم يعيشون على هامش الاقتصاد، بدل أن يكونوا رافعة للنمو الصناعي والثقافي.

الصناعة ليست مجرد الجلد أو حاويات “المرجان”

اختزال الصناعة بالجهة في الجلد، أو مخلفات الزيتون، أو حاويات “المرجان”، هو انعكاس صارخ لغياب أي رؤية صناعية حقيقية. الصناعة الحديثة تتطلب تكنولوجيا، إنتاج ذي قيمة مضافة، وربط بالأسواق، لا الاقتصار على أنشطة تقليدية محدودة المردودية. استمرار هذا التوجه يجعل فاس مكناس عاجزة عن منافسة جهات أخرى في جذب الاستثمارات النوعية وخلق فرص شغل حقيقية.

واقع اجتماعي مأزوم

المواطنون يعيشون بطالة مرتفعة، هشاشة اقتصادية متزايدة، وتآكل القدرة الشرائية، في ظل تقديم أرقام رسمية غير قابلة للتحقق على الأرض. الشباب عاجز عن العثور على فرص شغل، والطبقة المتوسطة تتآكل، فيما المجتمع المدني يشهد تصاعد الإحباط وفقدان الثقة في الجهات المسؤولة.

شركات تعيش على وقع الركود

عدد كبير من المقاولات يواجه ركودًا حقيقيًا، وبعضها يقتصر نشاطه على البقاء. لا توسع، لا دينامية، لا تشغيل، فقط انتظار لمبادرات رسمية قد لا تأتي. في ظل هذه البيئة، الحديث عن استقطاب استثمارات جديدة يبدو بلا جدوى، إذ أن الشركات الحالية لم تستفد بعد من أي دعم فعال، ولا ترتبط ببرنامج واضح للنهوض بالقطاع الصناعي.

أزمة حكامة… غياب رؤية استراتيجية

داخل مجلس جهة فاس مكناس، النقاش محصور في عرض الأرقام، دون مساءلة الأثر الحقيقي للمشاريع، أو تقييم جودة الاستثمار، أو مراجعة الاختلالات. غياب الشفافية، والتركيز على “التجميل الرقمي” بدل المحاسبة على النتائج، يعكس أزمة حكامة حقيقية تهدد مستقبل الاستثمار بالجهة.

الاستثمارات التاريخية تتراجع

مصانع تاريخية أغلقت أبوابها أو دخلت في سبات اقتصادي، ما ساهم في تراجع مكانة الجهة الصناعية، وخلق فجوة بين ما يُعلن عنه رسميًا وما يُختبر على الأرض. هذا الأمر لم يؤثر فقط على الاقتصاد، بل على النسيج الاجتماعي أيضًا، إذ تفقد الأسر مواردها والدخل اليومي.

الأنظار تتجه إلى والي الجهة

أمام هذا الواقع البئيس، تتجه الأنظار إلى خالد أتي طالب لإحداث تحول حقيقي. مطلوب إصلاح أعطاب الاستثمار، القطع مع تراكمات الماضي، واستقدام بروفيلات جديدة تعرف معنى الاستثمار، قادرين على وضع رؤية استراتيجية واضحة للنهوض بالجهة في كل المجالات، من الصناعة والتجارة إلى الخدمات وفرص التشغيل، وربط الاستثمار بالمردودية الحقيقية والآثار الملموسة على المواطن.

جهة فاس مكناس تواجه اختبارًا حقيقيًا: الاستمرار في عرض الأرقام على الورق، أو إعادة بناء منظومة الاستثمار بالكامل، مع تقييم دقيق للمشاريع، وتحريك القطاعات المتوقفة، وربط الاستثمار بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. إلى أن يحدث ذلك، سيظل الواقع اليومي للمواطنين مأزومًا، وأحياء صناعية مهجورة، وشركات تكافح فقط للبقاء، وسط خطاب رسمي بلا أثر، وأرقام لا تعكس إلا وهم النجاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى